طارق الشناوي
 
هل اطمئن الفنانون والمثقفون المصريون بعد لقائهم مع رئيس الجمهورية مؤخرا؟ الرئيس مرسي أكد في لقائه معهم أنه يدعم مدنية الدولة، رافضا تعبير "أخونة الدولة" الذي بات يتردد على نطاق واسع، بينما ما نراه من تغييرات في قطاع الثقافة والإعلام يؤكد أن الفيلم والأغنية والمسلسل والصحيفة ما زالت تحت قيود وآليات الماضي نفسها.

استعانت مؤسسة الرئاسة بنفس آليات الماضي في توجيه الدعوات عبر وزارة الثقافة، بينما وزير الثقافة متهم من قطاع عريض من الفنانين والمثقفين بأنه حصل مؤخرا على جائزة الدولة التقديرية عبر التلاعب، فهو كان مرشحا لها وهو بدرجة نائب وزير، واستمر مرشحا لها وهو وزير، وعندما حان وقت الجائزة استقال من الوزارة حتى يتسلمها وهو ليس في مقعد الوزير، ليعود بعد ذلك مجددا إلى كرسي الوزارة.

أبعد وزيرُ الثقافة المصري محمد صابر عرب عن لقاء رئيس الجمهورية كلَّ من خالفه الرأي، خوفا من أن يتم فضح تجاوزاته أمام الرئيس، وأجج الاختلاف في الوسط الفني حتى أصبحنا بصدد فريقين، واحد يرفع شعار التحرر بعيدا عن هيمنة الدولة، والآخر لا يرضى بغير الدولة بديلا.

الوسط الثقافي في مصر تحول إلى ساحة من التناحر، مقسما بين الدولة التي تريد الاستحواذ على كل شيء، والمجتمع المدني الذي بدأ يحصل على مكتسبات بعد ثورة 25 يناير تتيح له أن يلعب دورا أكبر، إلا أن النظام كالعادة لا يمكن أن يفرط بسهولة فيما بين يديه، ولهذا يسارع باختلاق كل الفرص لتزداد قبضته قوة وإحكاما في خنق المثقف وإعادته مرة أخرى للخضوع للعبة العصا والجزرة، وبالتأكيد سوف تجد مثقفين كُثرا يخشون العصا ويلهثون وراء الجزرة.

الوسط الثقافي والفني في مصر يعيش في حالة استنفار من تلك الهجمة الشرسة التي تهدد مساره ومصيره

ما يجري الآن هو أن الدولة ممثلة في وزارة الثقافة -بعد أن قررت عودة مهرجان القاهرة إليها في دورته 35 التي تفتتح يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني- تخطو أيضا خطوة أخرى إلى الخلف، حيث إنها تستعد لوقف الدعم الثقافي لكل الأنشطة الموازية التي سمحت للمجتمع المدني -ممثلا في جمعيات ومؤسسات- بتولي المسؤولية، إلا أنها لم تلبث أن عادت مسرعة لتُمسك بكل التفاصيل.

وفى سبيلها لتحقيق ذلك، استقطبت عددا من الصحفيين والنقاد والسينمائيين الذين رحبوا بالعمل تحت مظلتها، لأنهم من خلال ذلك سوف يضمنون الحصول على كل المكتسبات الأدبية والمادية التي توفرها الوزارة لمن يلعب في فريقها ولحسابها.

من المؤكد أن كل هذا سوف يلقي بظلاله سلبا على الحياة الثقافية، لتشتعل النيران بين أكثر من اتجاه داخل العائلة الفنية والثقافية الواحدة، ويتم تبديد طاقة المبدعين فيما لا طائل من ورائه. النظم العربية لا تريد أن تسمح بتحرر المثقف، ولهذا تحرص على أن تُخضعه لنظام صارم وتضع العراقيل أمامه، لكي يجد نفسه في نهاية الأمر يعود إليها طائعا طالبا الحماية. ويصدق على المثقف كلمة ثاقبة وكاشفة أطلقها الكاتب الكبير الراحل عبد الرحمن الخميسي -قبل ستين عاما، ولا تزال تُثبت صحتها مع الزمن- إذ قال "عشت لا أعزف ألحاني بل أدافع عن قيثارتي".

كل ما نراه في حياتنا الثقافية الآن لا تستطيع أن تضعه في إطار الدفاع عن الإبداع، ولكن عن أدوات الإبداع، والغريب أن من ينتزع منا حقنا في التعبير هم من كان دورهم الحقيقي هو الدفاع عن القيثارة، على حد قول الخميسي. ومع الأسف تكتشف أن السكين التي تلجأ إليها الدولة وتشهرها في وجه من يتصدى لها هو مثقف آخر انضم إليها لأنه يراها الأقوى!!

الوسط الثقافي والفني يعيش في حالة استنفار من تلك الهجمة الشرسة التي تهدد مساره ومصيره مثل ما يفعله عدد من الشيوخ السلفيين في مهاجمة الفنانين بأفظع الألفاظ، والتي ينهش بعضُها الأعراضَ وتعاقب عليها قوانين الأرض وشرائع السماء لأنها تحمل تعريضا بالشرف، مثل ذلك الداعية الذي يعمل مقدم برامج في إحدى الفضائيات الدينية، ولم يسلم من لسانه عدد من الفنانين والفنانات، وتلقت القسط الأكبر من الهجوم إلهام شاهين ونور الشريف وفاروق الفيشاوي.

بعض المثقفين يعتقدون أن من حقهم أن يراهنوا على الكفة الراجحة، وأن الدولة تبدو في تلك اللحظة هي الأقوى

ورغم ذلك، فإن هذا عدو واضح، خنجر أنت تترقبه ومستعد لمواجهته، فهو كاره لكل ما له علاقة بالفن والثقافة، ولكن ما يجري الآن بين المثقفين من تناحر حول موقفهم من توجهات الدولة للهيمنة على الأنشطة الثقافية والفنية لتمسك بقبضة من حديد على كل شيء أراه أشد خطورة.

الدولة تستعين أيضا بمثقفين يوافقون على العمل معها، مستغلين أن هناك صراعات دائمة بين أهل المهنة الواحدة و"الكار" الواحد، عملا بالمثل المصري الشهير "عدوك ابن كارك"، وبعضهم يعتقد أن من حقهم المراهنة على الكفة الراجحة، وأن الدولة تبدو في تلك اللحظة هي الأقوى، مرددين أن الفرصة تأتي مرة واحدة، فإذا لم يقتنصوها فلن تطرق بابهم ثانية. وبالطبع لن يذكر أحد في هذه الحالة سوى أنه قبل هذه المهمة الثقيلة لإنقاذ سمعة مصر.

إشعال الحرائق داخل الوسط الثقافي هو الخط الأحمر الذي لا ينبغي تجاوزه. النظام يعتقد أن هذه وسيلته ليعيد حالة الانضباط للوسط الفني والثقافي، فعندما تشعل "حربا أهلية" داخل الوسط الفني والثقافي تصبح الدولة هي واحة النجاة، والتي يطلب ودها قسط وافر من المثقفين.

أتذكر الأديب الكبير صنع الله إبراهيم عندما رفض قبل عشر سنوات وعلى الهواء جائزة الدولة في الرواية، وكان يقف على خشبة المسرح بجوار كل من فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق، وجابر عصفور الذي كان يشغل وقتها منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.

الجائزة في تلك السنوات كانت تساوى قرابة 50 ألف دولار، وهو رقم لا يحلم به عادة الأدباء في عالمنا العربي، ولكن صنع الله إبراهيم قال إنه يرفض أن يحصل على جائزة من نظام فاسد، وبعد هذا الموقف كان هناك أكثر من أديب مشهور يبعث برسالة لوزارة الثقافة يؤكد أنه سوف يقبلها شاكرا، وهذا هو ما حدث بالفعل، لأن هناك ثمانية أدباء كبار أيضا وافقوا بعدها على الحصول عليها تباعا.

هل ألوم من يختار جانب النظام وينضم إليه قافزا على المبدأ؟ أرى أن علينا بقدر المستطاع أن نرأب الصدع بين المثقفين، وأن ننزع فتيل القنبلة القابلة للاشتعال. يبدو حلما بعيد المنال أن يقف المثقفون في نفس الخندق وأن يتناسوا مصالحهم الصغيرة لكي يصبح الرهان الحقيقي على الحرية، وينبغي أن يكون هذا هو رهان المثقف.

الدولة تسعى لكي تحطم القيثارة التي عاش الراحل عبد الرحمن الخميسي للحفاظ عليها، رغم أنه لا يعزف ألحانه التي يريدها، وأداتها لتحقيق ذلك مثقف آخر يضرب قيثارة زميله، معتقدا أن الدولة سوف تسمح له بعزف ألحانه، والحقيقة أنها لن تسمح إلا بالنغمات التي تُسبح فقط بحمدها.
______________
كاتب وناقد فني مصري

المصدر : الجزيرة