لوحة "وجوه في المدينة" للتشكيلي اللبناني أسادور (الجزيرة نت)
أنطوان جوكي- باريس
 
لا يزال الفنان التشكيلي الأرمني أسادور مجهولاً في عالمنا العربي على رغم شهرته الكبيرة في لبنان، مسقط رأسه، وفي أوروبا، حيث نُظّمت له معارض مهمة كثيرة في أشهر المحافل الفنية، آخرها معرضه الحالي في غاليري كلود لومان الباريسية.
 
أسادور من مواليد بيروت ١٩٤٣، ولا يملك ذكريات سعيدة من طفولته، بل كل ما يتذكره هو مرحلة ثورته على التقاليد العائلية والنظام التعليمي والمجتمع عموما. وهذا الرفض الراديكالي الشامل منذ الصغر هو الذي دفعه إلى مغادرة المدرسة باكرا لمتابعة دروس في اللغة والرسم في المعهد الثقافي الإيطالي ببيروت، حيث نال في سنّ السابعة عشرة منحة لدراسة الفن في إيطاليا فأمضى ثلاث سنوات في أكاديمية بييترو فانّوتشي.
 
وعلى أثر هذه التجربة المثمرة كان معرض أسادور الأول في بيروت عام ١٩٦٤ الذي حصد عليه مقالات نقدية مديحية غزيرة، ونال نتيجته منحة لبنانية لدراسة الفن في معهد الفنون الجميلة بباريس التي ستصبح مركز إقامته الثابت.
 
إحدى لوحات الفنان أسادور (الجزيرة نت)
البحث والتعمق
ولكن بسرعة خاب أمل الفنان بالتعليم الأكاديمي والماضوي لهذا المعهد آنذاك فتحرّر منه، وانطلق في استكشاف عالم الفن في باريس بنفسه فأُعجب بحركتَي التجريد والواقعية الجديدة وتأثّر بأساليب التكعيبية والبدائية الإيطالية وبجماليات حركَتي "باوهاوس" التشييدية والسرّيالية.

ويعكس هذا التنوّع الباكر في مصادر وحي أسادور انعدام أي نزعة عقائدية محددة لديه وانفتاحه على جميع الاختبارات والميول التشكيلية ورفضه السعي بشكل أعمى خلف الأساليب الدارجة.

فما يحدّد مفهومه للفن هو البحث بذاته وإرادة التعمّق في كل عمل يقوم به. وفي هذا السياق، نفهم نشاطه الغزير في ميادين الحفر والرسم بقلم الرصاص، بالألوان المائية أو الزيتية أو مادة الغواش، نشاطٌ لا يلبي رغبةً بقدر ما يلبي حاجة مادية ملحة.

ويسمح الرسم لأسادور بتلطيف قلقه وتقليص هاجس عبور الزمن فيه. فالرسام مهووسٌ بكل ما يتفتّت، ما يتشيّد من جديد وما يتحوّل، كما يشكل حنينه إلى الأشياء التي تزول أو تتوارى أو تفلت منا مصدر ألم ثابت له. ولعله لذلك يفضّل اللحظة الآنية فيتمتّع بالفضاء المحيط به حيث يكتشف ألوانه ومواضيعه وشخصياته ويتشبع بتأمله للحياة وبقراءاته، علماً أن كلمة "وحي" لا معنى كبيرا لها بالنسبة إليه لقدرته على إثارة هذا الشعور متى يشاء.

يرسم أسادور إذا خارج أي نظامٍ أو إكراه ووفقا لرغباته، ويُنجز أعماله بالأسوَد والأبيض أو بالألوان. وحين يلجأ إلى التلوين، يستخدم ألوانا حارّة أو باردة، متضاربة أو متناغمة، ويفضّل الألوان الطبيعية "الموجودة حولنا"، كالأسوَد أو الأمغر اللذين استُخدما منذ العصور القديمة.

أما تشكيلاته فتقوم غالبا على أنظمة أو بنيات هندسية دقيقة جدا تتألف من دوائر وشبكات كاملة تعبرها خطوطٌ ذات سماكة متنوّعة وأشياء خيالية وآلات وشخصيات غريبة تتراكم بطريقة عشوائية في ظاهرها.

لوحة "أشياء وشخصيات" لأسادور 
(الجزيرة نت)

خيار حياتي
وفي الواقع، يرسم أسادور "كعالم آثار يحفر ويعثر على أجزاء قطع أثرية ويحاول إعادة تكوين قصة ما". وفي ذلك، يعيد خطّ تاريخ الإنسان الذي "يتوارى ويصبح رقما مهروسا بالكلمات والعلامات" داخل عالمنا المعاصر.

ولكن المفارقة هي في تحوّل شخصياته إلى دمى مفككة خارج الفضاء والزمان، تظهر على شكل قامات أو ظلالٍ على وشك الزوال. وبخلقه هذه العوالم الشخصية والغامضة المشحونة بهذا الكم من التأويلات للوضع البشري، يجعل أسادور من الفن، أكثر من مجرّد مهنة، خيار حياتي حقيقي أو فلسفة حياة أو خشبة خلاص تمنح معنى للوجود.

وسواء في لوحاته أو في محفوراته، تندمج الوجوه البشرية والأشكال الهندسية غالبا داخل تصميم لمشهد مديني، ضمن عملية تشييد، تحاول وضع ترتيب داخل سديم العالم كما عاشه الفنان في بيروت أو كما يراه دائما.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، ظهرت تحولات مهمة في عمله، إذ تغيّر اللون الطاغي في لوحاته بحلول اللون الرمادي الذي يميل إلى الأزرق والأسوَد مكان اللون الأمغر وباختلاطه مع تدرّجات لونية مختلفة، كما ابتكر تشكيلات بسطوح متضاربة سلّط عليها ضوءا ساطعا تم التحكم جيدا به.

أما التغيير الأساسي فيبقى في انحسار الأشكال الهندسية الكبرى والمنظمة لفضاءاته المدينية السديمية، والوجوه والقامات الصغيرة المبعثرة بهذه الفضاءات، لصالح وجوه وقامات بشرية كبرى ومركزية.

المصدر : الجزيرة