الممثل محمود عبد العزيز مع الراحل نجاح الموجي في لقطة من فيلم "الكيت كات" (الجزيرة)
زهير حمداني
 
تبقى الرواية من المصادر الرئيسية التي تعتمد عليها السينما في مادتها الدرامية، وقد وجد المخرجون والمنتجون في متون الروايات والأعمال الأدبية العالمية المسرحية والقصصية معينا لا ينضب لأفلامهم، ومن خلال الشاشة الكبيرة اشتهرت روايات عالمية كان تداولها مقتصرا على النخب.
 
وفي سياق البحث عن مادة سينمائية جديدة ومبتكرة، تحولت الكثير من الأعمال الروائية ذات الشهرة العالمية إلى أعمال سينمائية، وعولج بعضها أحيانا مرات عدة برؤى درامية مختلفة في بلدان عديدة، فلاقى بعضها نجاحا ومثل دفعا للعمل الأدبي، وكان التناول في حالات أخرى باهتا وبلا إضافة تذكر.
 
ومن أبرز الأعمال الروائية العالمية التي تحولت إلى شاشة السينما "الإخوة كرامازوف" لديستوفسكي و"أحدب نوتردام" و"البؤساء" لفيكتور هيغو، و"قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز، و"الشيخ والبحر" لإرنست همنغواي، و"ذهب مع الريح" لمارغريت ميتشل، و"أنا كارنينا" لليو تولستوي، و"دكتور زيفاغو" لبوريس باسترناك، و"شفرة دافنشي" لدان براون، إضافة إلى أعمال وليام شكسبير التي حولها عدد من المخرجين إلى أعمال درامية.
 
ويرتبط الفيلم السينمائي -كما يقول الناقد مارشال مكلوهان- ارتباطا وثيقا بعالم الكتاب، لكن الصورة تصبح مفردة المخرج في الفيلم، كما هو شأن الكلمة بالنسبة للكاتب، ويمكن لمخيلة المخرج وطريقة توظيفه للصورة السينمائية -التي تعتمد بالأساس على التكثيف- أن تعطي روحا جديدة للعمل الأدبي، كما يمكن أن تشوهه، حسب ما يرى العديد من النقاد.

العمل الروائي الناجح، كما يرى بعض النقاد، هو الذي يكتب وفق أسس صحيحة وسلسة تجعله قابلا للتحول إلى عمل سينمائي بسهولة
الصورة والكلمة
ويبقى لكل مخرج رؤية إبداعية خاصة في تناول العمل الأدبي ومعالجته انطلاقا من شاشة السينما. وقد تؤدي شهرة عمل أدبي لإنتاج فيلم ضعيف المستوى أو تجاري. فلا يجد الجمهور -القارئ للعمل الأدبي- في الفيلم  نفس التميز الذي رآه في العمل الأدبي.
 
ولم يلق مثلا فيلم "شفرة دافنشي"، الذي أخرجه رون هاورد وقام ببطولته الممثل الشهير توم هانكس، شهرة الكتاب نفسها. وكانت معالجة النص أقرب إلى فيلم مغامرات، ورأى النقاد أن الطرح السينمائي كان غير مناسب.
 
ومن جانب آخر قد يكون العمل السينمائي متفوقا على العمل الأدبي، كما حصل مع الفيلم الشهير "العراب" لفرانسيس كوبولا المأخوذ عن رواية بنفس الاسم لماريو بوزو (1968)، أو الفيلم الفائز بالأوسكار "المريض الإنجليزي" لأنتوني منغيلا (1996) المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب مايكل أونداتجي.
 
السينما العربية بدورها ارتبطت منذ بداياتها بالمتن الروائي العربي خاصة في مصر، وسيطرت روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس على السينما المصرية في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. واستمد 43 فيلما مادته الدرامية من روايات إحسان عبد القدوس، بينما اقتبس 41 فيلما من أعمال نجيب محفوظ وخاصة الثلاثية الشهيرة "بين القصرين" (1964)  و"قصر الشوق" (1967) و"السكرية" (1973) التي قدمها المخرج حسن الإمام.
 
والبداية الحقيقية لتحويل أعمال صاحب نوبل إلى السينما كانت عام 1960، عندما أخرج الراحل صلاح أبو سيف روايته "بداية ونهاية" إلى فيلم حمل الاسم نفسه، وكما أن 22 فيلما سينمائيا أخذت من أعمال توفيق الحكيم، بينها "يوميات نائب في الأرياف" و"الأيدي الناعمة" و"عصفور الشرق" و"رصاصة في القلب"، وكانت للأديب يوسف السباعي وأيضا ثروت أباظة روايات تحولت إلى أفلام شهيرة.
 
وتحولت أيضا أعمال روائيين مثل إسماعيل ولي الدين ويوسف القعيد وجمال الغيطاني وسكينة فؤاد ويحيي الطاهر عبد الله إبراهيم أصلان ويحيى حقي وعبد الرحمن الشرقاوي ونعمان عاشور وعبد الحميد جودة السحار وغيرهم إلى أفلام سينمائية. وكانت رواية "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني من آخر الأعمال الروائية التي تحولت إلى عمل سينمائي، ونشر يوسف معاطي مؤخرا روايته "فرقة ناجي عطا الله " قبل تقديمها خلال رمضان الماضي في مسلسل من بطولة عادل إمام.

والعمل الروائي الناجح، كما يرى بعض النقاد، هو الذي يكتب وفق أسس صحيحة وسلسة تجعله قابلا  للتحول إلى عمل سينمائي بسهولة، ولكن المخرج بالمقابل يجب أن تكون لديه القدرة والتصورات الإبداعية التي تمكنه من تحويل النص السردي الوصفي إلى صورة.

داود عبد السيد: عملية تحويل النص الأدبي لعمل سينمائي خيانة للنص الأدبي (الجزيرة)

إبداع مواز
وكما يكون لتحويل النص الروائي إلى عمل سينمائي حسناته حسب بعض النقاد، يرى فيه آخرون بعض العيوب، فهو من جانب يخدم الرواية ويساهم في انتشارها ويحقق عائدا مهما لكاتبها، لكنه من جانب آخر يفقدها شخصيتها وروحها في بعض الحالات، حتى ليصعب على المشاهد/ القارئ الربط بين الرواية والفيلم المأخوذ عنها.

ويرى الأديب المصري إداور الخراط أن معظم ما تحول من أعمال أدبية للشاشة لم ينجح بالمعنى الفني، ويبدي حكمه على أفلام حسن الإمام الذي حول عددا من روايات نجيب محفوظ إلى أعمال سينمائية بقوله "قد تكون بعض هذه الأعمال نجحت في تشويق الجماهير، لكنها شوهت العمل الأدبي الأصلي".

من جهته يؤكد الأديب بهاء طاهر أن تحويل الأعمال الروائية إلى درامية مفيد للمشاهد، مع إبداء تحفظه بالقول "أعتقد أنها تفيد الأعمال الأدبية فائدة كبيرة بسبب الظاهرة المؤسفة التي نعيشها. وهي ظاهرة أمية المتعلمين الذين لا يقرؤون، وربما يتوقف الأمر على من يقوم بمعالجة هذه الأعمال دراميا سواء للتلفزيون أو للسينما، ومدى قدرته على استلهام الأفكار الأساسية في العمل الذي يعالجه".

ويقول صاحب "خالتي صفية والدير" الروائي بهاء طاهر إن بعض المؤلفين كانوا يرفعون دعاوى  قضائية على المخرجين لتشويههم النص الأدبي، مشيرا إلى أن من يقدم العمل يجب أن يكون موهوبا،  وقد كانت لإسماعيل عبد الحافظ تجربة في تحويل رواية "خالتي صفية والدير" إلى عمل درامي، وكان لها مردود هائل في الأقصر وفي المجتمع الصعيدي وما زالوا حتى الآن يحبون هذا المسلسل.

وعن تجربته مع فيلم "الكيت كات" المأخوذ عن رواية "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان، يقول المخرج داود عبد السيد "إن الرواية التي تؤثر فيّ لا أستطيع أن أرفضها وهذا يحدث عندما تكون الرواية مكتملة". ويضيف أن عملية تحويل العمل الأدبي لعمل سينمائي هي خيانة للنص الأدبي ذاته، فالعمل السينمائي يجب أن يكون عملا موازيا للعمل الأصلي، وتقييم العمل السينمائي يجب أن يكون على قدرة تأثيره في  الجمهور.

ويتفق الناقد طارق الشناوي مع عبد السيد في أن تحويل النص الأدبي لعمل سينمائي هو افتراس للنص. وأضاف أن المخرج مجدي أحمد علي التزم برواية إبراهيم أصلان في فيلم "عصافير النيل" وكانت من أسوأ ما يكون لأنه لم يستطع أن يهرب من الرواية واقتبس نصوصا كاملة منها.

وأشار الشناوي إلى أن الكاتب يوسف إدريس كان ينقد رواياته التي تتحول لأعمال سينمائية نقدا لاذعا، وأن سيناريو فيلم "حادثة شرف" الذي كتبه جعل الفيلم سيئا جدا لأنه كان يتدخل في كل التفاصيل.

المصدر : الجزيرة,الألمانية