غلاف كتاب "الانحياز إلى القصيدة" للمغربي أحمد زنيبر (الجزيرة)
نزار الفراوي-الرباط

من خلال نماذج كثيرة للشعر المغربي الحديث، مختلفة الأجيال ومتباينة المرجعيات والمقاربات، يحاول الباحث أحمد زنيبر في كتابه "الانحياز إلى القصيدة" استجلاء مركزية الذات الإنسانية في المتن الشعري الحديث, وينشغل برصد مظاهرها وتجلياتها، باعتبارها مصدرا من مصادر الإلهام توسل بها الشاعر المغربي في بسط رؤيته للعالم والأشياء من حوله.

وبرصد ردود الذات الشاعرة تجاه المحيط والعالم المتغير وتجاه وجودها ذاته، يروم الكتاب الذي صدر مؤخرا ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب، محاورة القصيدة المغربية الحديثة، بغية استجلاء خصائصها الفنية والجمالية الثاوية فيها. ويستحضر الكاتب سؤال الإبداعية في القصيدة الحديثة بالمغرب، من خلال البحث في بنية اللغة وأنواع الإيقاع وأشكال التعبير، أسلوبا وتركيبا وبلاغة.

يرصد الكتاب ثقل حضور الذات في صناعة الشعر المغربي الحديث من خلال استقراء العناوين التي اختارها الشعراء المغاربة لدواوينهم

حضور الذات
يلاحظ أحمد زنيبر من خلال مسح نقدي واسع أن الذات تحضر تارة كسؤال شعري وجمالي، وتارة أخرى كمكون أساس ومصدر لا غنى عنه في بناء النص الشعري وضبط إيقاعه ومضمونه. تبدو الذات حاضرة بقوة الشعر بحكم ارتباطها بالشاعر، من ناحية وبحكم تأثيرها المباشر وغير المباشر في بناء الفكرة وتمرير الرسالة، من ناحية ثانية.

وحتى قبل الغوص في عمق القصيدة بما هي تجربة شعرية إنسانية، يرصد الكتاب ثقل حضور الذات في صناعة الشعر المغربي الحديث من خلال استقراء العناوين التي اختارها الشعراء المغاربة لدواوينهم.

هي عناوين تسعف في استخلاص الدلالات الكبرى لعمق التجربة لدى هؤلاء الشعراء ومدى صلتها بالذات الإنسانية، إذ تحضر هذه الأخيرة كصوت فاعل حقيقي ورمزي. صوت يؤثث فضاء المعنى ويمرر الخطاب بغير قليل من الجرأة والإصرار والبوح، كما يحرص على إبراز ما للحواس، نطقا ورؤية ولمسا وغيرها، من دور أساسي في رد الاعتبار للذات وتأكيد هويتها.

ومن هذه العناوين المختارة ذات الفاعلية الحسية شبه المباشرة "بملء الصوت" للشاعر إدريس الملياني، و"كي أدرك أنحائي" لسعيد ياسف و"يد لا تسمعني" لنجيب خداري و"لي جذر في الهواء" لوداد بنموسى و"أنظر وأكتفي بالنظر" لعبد الرحيم الخصار.

أما على مستوى أعلى تجريدا في علاقة الذات بالقصيدة، وفي سياق الانشغال بقضايا الكينونة، فيبدو الشاعر دائم البحث والسؤال عما يبرر وجوده في زمن بارد وكثير التقلب. يتوقف الباحث عند تجربة الشاعر محمد بنطلحة في ديوان "قليلا أكثر"، حين يقول  "على الورق، هزمت، وانهزمت، وفي الحقيقة، لم أكن أنا من ذهب إلى آخر الأرض، لم أكن أن صاحب الجبروت، وإنما ظلي".

يعرج لاحقا على عالم عبد الكريم الطبال في "أيها البراق" إذ يقول مسائلا شبح الهواء وهو يقتاد الذات الإنسانية حيث يشاء "يا أيها الهواء، ماذا تقول أنت فيك يا شبحا تشرب من أحداقنا، تأكل من أعضائنا، تمشي بنا، ونحن لا نشاء".

تفسح النماذج المختارة المجال للوقوف عند تنوع كبير في مقاربة الشعراء المغاربة للموضوعات وتعاملهم مع القصيدة كشكل وبناء، داخل كل تجربة على حدة

مقاربات متنوعة
وفي دوامة انشدادها إلى الماضي وانفصالها عنه، تنتصر الرغبة في الحياة داخل ذات الشاعر. من تجربة نجيب خداري في "يد لا تسمعني" يعرض الباحث للمقطع التالي: " كم أشتهي أن أطلق صوتي عاليا أبعد من جبال الخوف، كم أشتهي أن أذرف حبي حتى آخر خفقه، كم أشتهي أن أغرز هذا الجسد في صحراء بلا ضفاف". هي ذات –أو ذوات- توسلت باللغة والخيال لتبعث دما جديدا في الحياة والمشاعر وتذلل العقبات، المادية والوجودية، ولو عبر صور واستعارات تمتزج فيها الذات بالرغبة في الرقص والبوح.

إنها نماذج تكشف مركزية الذات في القصيدة المغربية الحديثة، لكنها تفسح المجال للوقوف عند تنوع كبير في مقاربة الشعراء المغاربة للموضوعات وتعاملهم مع القصيدة كشكل وبناء، داخل كل تجربة على حدة.

احتشاد الشعراء في ميدان مساءلة الذات، فاعلا وموضوعا، لا يحجب ثراء المرجعيات والانفتاح على الثقافات. لقد حضرت الذات بشكل لافت في المتن الشعري الحديث بالمغرب غير أن الحضور اتخذ أشكالا مختلفة، وتفاوتت قيمتها الواقعية والرمزية في آن بتفاوت وجهات النظر، وكذلك بتفاوت طرائق الاشتغال، لغة وتعبيرا وصورة وإيقاعا.

يذكر أن أحمد زنيبر أصدر عدة كتب تنوعت بين الإبداعي والبحثي النقدي، من بينها ديوان "أطياف مائية" (2007) و دراسة نقدية بعنوان "قبعة الساحر.. قراءات في القصة القصيرة بالمغرب" (2009) و "مديح الصدى.. دراسات في أدب الغرب الإسلامي" (2011).

المصدر : الجزيرة