"الأستاذ" يعيد سينما حقوق الإنسان بتونس
آخر تحديث: 2012/9/14 الساعة 13:55 (مكة المكرمة) الموافق 1433/10/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/9/14 الساعة 13:55 (مكة المكرمة) الموافق 1433/10/28 هـ

"الأستاذ" يعيد سينما حقوق الإنسان بتونس

ملصق فيلم "الأستاذ" للمخرج التونسي محمود بن محمود (الجزيرة نت)
كمال الرياحي-تونس
 
بدأ فيلم "الأستاذ" للمخرج التونسي محمود بن محمود عروضه في قاعات السينما التونسية ليلقى نجاحا جماهيريا متميزا، وكان الفيلم قد أثار جدلا كبيرا منذ سنوات بسبب تعمد نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي تعطيل عملية تصويره ورفض السلطات التونسية منح المخرج رخصة في ذلك.
 
ودفعت هذه التضييقات بالمخرج المقيم ببلجيكا إلى عقد ندوة صحفية ليعلن صراحة عن الضغوط التي يتعرض لها بسبب موضوع الفيلم الذي تدور أحداثه حول حقوق الإنسان في تونس.
 
يمتد "الأستاذ" على مدى 120 دقيقة، وهو من بطولة أحمد الحفيان ولطفي الدزيري، صحبة الممثل القدير أحمد السنوسي ولبنى مليكة، ويروي حكاية أستاذ القانون بالجامعة التونسية "خليل الخلصاوي" الذي وقع اختياره من الحزب الحاكم لتمثيله في رابطة حقوق الإنسان المنبعثة حديثا.

تتمثل مهمة الخلصاوي في الدفاع عن المواقف الرسمية للحزب داخل الرابطة في فترة تتسم بالتوتر بين الحكومة والنقابات. ويبقى خليل مدافعا شرسا عن النظام حتى وصله يوما خبر اعتقال صديقته هدى، وهي إحدى طالباته. وكانت الطالبة المعارضة بصحبة صحفيين إيطاليين يقومان بتحقيق عن إضرابات العمال بمناجم الفوسفات بالجنوب التونسي وفي رحلة البحث عن حبيبته قبل وصول خبر الاعتقال وبعده يتكشف الأستاذ على فظاعة النظام البورقيبي وواقع حقوق الإنسان في تونس.

بن محمود قدم للسينما التونسية عددا من الأفلام التي تطرح قضايا حقوق الإنسان (الجزيرة نت)

أسئلة مباشرة
فيلم "الأستاذ" لمحمود بن محمود من الأفلام التونسية القليلة التي طرحت أسئلة سياسية مباشرة، إذ يرصد المحاولات المتكررة من السلطة التونسية للسيطرة على رابطة حقوق الإنسان باقتحامها من الداخل من خلال مجموعة من الكوادر الحزبية ومحاولة زعزعتها وتعطيل حركتها ومراقبة نشاطها.

ورغم أن أحداث الفيلم تأتي في فترة النظام البورقيبي في السبعينيات وأساليبه القمعية، فإن نظام بن علي، ورغم محاولاته المتكررة لتشويه الفترة البورقيبية في أكثر من مناسبة لم ير في الفيلم إلا محاولة إسقاط فنية ودهاء مخرج محنك ينتقد النظام النوفمبري بالحديث عن النظام البورقيبي عبر العودة لتاريخ رابطة حقوق الإنسان وما تعرض له مناضلوها من اضطهاد ونفي وإبعاد وتعنيف.

وقد تزامن تصوير الفيلم مع أزمة كبرى كانت تعيشها رابطة حقوق الإنسان في تونس ومحاولات كبيرة من السلطة آنذاك لتركيعها مما أدخلها في صراعات داخلية باءت كل محاولات التوفيق بين شقيها بالفشل كل مرة.

ومن ثم اعتبرت السلطة أن فيلم بن محمود ليس فيلما بريئا، ولا يمكن أن تطمئن إليه رغم أنه يتناول فترات سوداء من النظام البورقيبي، لأن ما يمكن أن يخلفه من وعي عند الناس وتنبيه إلى واقع رابطة حقوق الإنسان والحريات في تونس قد يتجاوز كل الاجتماعات السياسية السرية أو المقالات التي تنشر هنا وهناك حول حرية التعبير في تونس فعمدت إلى تعطيله.

يمكن أن نسمي الفيلم بقصة حب سياسي وجه من وجوهها حب رجل ثقافة وعلم "أستاذ جامعي" للسلطة وسعيه في البداية للوصول إلى مناصب كبرى من خلال دوره مخبرا وجاسوسا في صلب رابطة حقوق الإنسان من ناحية وقصة حب حقيقية تنشأ بين هذا الانتهازي وإحدى طالباته التي تدخل السجن بسبب مواقفها السياسية المناهضة للسلطة وبسبب نضالها من أجل حقوق الإنسان.

تلك الحادثة تغير نظرة رجل السياسة لتكشف له عن حقيقة بشاعة النظام الذي ينتمي إليها فينسلخ عنه ويصبح أحد أشرس المعارضين له مما يدفع النظام إلى إبعاده ووضعه تحت الإقامة الجبرية في الجنوب التونسي.

ظل صاحب فيلم "العبور"، الذي فضح واقع التمييز العنصري في أوروبا ضد المهاجرين وفيا لفكرة السينما المناضلة ضد كل أشكال العنف والقمع، ومدافعا عن حرية الإنسان في كل مكان

سينما مناضلة
إن محمود بن محمود المقيم في بلجيكا منذ استيلاء زين العابدين بن علي على الحكم بتونس سنة 1987 ويدرس بإحدى جامعاتها فن كتابة السيناريو لا يمكن أن تنتظر منه فيلما روائيا سياسيا فجا ولا منبريا، فقد نجح كعادته في تقديم فيلم سياسي في لبوس رومانسي من خلال قصص الحب التي نسجها في خيط سردي دقيق وحبكة روائية محكمة.

فقد تطرق صاحب فيلم " شيشخان" لتاريخ النضال اليساري في تونس، من حقوقيين ومثقفين ومناضلين، تطرقا ذكيا وكشف عن إصرار التونسيين في كل مرة للتصدي للحكومة الفاشية آنذاك التي تريد أن تركع المستضعفين، متجاهلة مطالبهم كعمال مناجم الفوسفات بالمتلوي وغيرهم.

هذا الأسلوب الروائي الكلاسيكي في الكثير من ملامحه جعل الفيلم يكسب حب الجماهير التي توافدت إلى متابعته في القاعات ولعروض متعددة في اليوم الواحد من خلال ما يقدمه من قصة ممتعة ومشوقة، كما كسب احترام النقاد والمتابعين من المختصين والسياسيين والجماهير المهتمة بالشأن السياسي، لأنه قدم لهم وثيقة تاريخية عما كان يحدث في تونس منذ الحكم البورقيبي إلى أواخر الحكم الديكتاتوري الثاني مما ينبههم إلى خطورة ما يمكن أن يحدث للحريات مستقبلا في تونس ما بعد الثورة إن لم ينتبه التونسيون ويعتبروا من التاريخ.

وظل صاحب فيلم "العبور"، الذي فضح واقع التمييز العنصري في أوروبا ضد المهاجرين وفيا لفكرة السينما المناضلة ضد كل أشكال العنف والقمع، ومدافعا عن حرية الإنسان في كل مكان دون أن يسقطه ذلك في التكرار الممل ولا في المنبرية الفجة.

وبدا "الأستاذ"، رغم المشاكله الإنتاجية التي عانى منها درسا للسينما التونسية اليوم، فيلما تونسيا قريبا جدا من التونسيين بعيدا عن كل مبالغات تخييلية مما قد يؤهله لانتزاع جوائز في المهرجانات السينمائية القادمة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات