جانب من الندوة الأدبية في تظاهرة محمود درويش في تونس (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
تحت عنوان "ما زلت حيا في مكان ما" انتظمت بالعاصمة التونسية تظاهرة ثقافية كبرى بمناسبة الذكرى الرابعة لوفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش نظمها قسم التكوين والتثقيف العمالي بالاتحاد العام التونسي للشغل، وشهدت التظاهرة محاضرات وأمسية شعرية وموسيقية.
 
وحضر التظاهرة جمهور غفير من الكتاب والمثقفين والإعلاميين التونسيين والعرب. وشارك في الندوة الأدبية الناقد والمترجم السوري المعروف صبحي حديدي والناقد التونسي فتحي النصري لتقديم ما سمي بـ"الكونية في شعر محمود درويش".
 
وبدأ الناقد صبحي حديدي في مداخلته بالحديث عن لقاء قفصة -بالجنوب الغربي التونسي- بشأن تجربة محمود درويش وهو لقاء جرى من سنوات حضره محمود درويش وقال عنه عبارته الشهيرة "إن ولادتي النقدية كانت في قفصة". وأكد حديدي أن درويش ظل يردد هذه العبارة حتى وفاته، وبقي منبهرا بذلك الأداء النقدي الذي تابعه عن تجربته والتفاعل الراقي للجماهير التونسية هناك مع منجزه الشعري.

وكان هذا مدخلا لتناول طريقة تعاطي محمود درويش مع الجمهور، وفق ما أطلق عليه صبحي حديدي بالتعاقد الثنائي الشاق، بين جمهور يأتي مع انتظارات لسماع نصوص جماهيرية كسبت شعبيتها من مارسال خليفة أو غيره من خلال طبيعتها المنبرية الحماسية، وبين شاعر يريد أن يقدم آخر رهاناته الجمالية.

وبين المحاضر أن درويش دائما ما كان ينجح في الارتفاع بالجمهور إلى مشروعه هو، ولم يخضع يوما لطلب الجمهور ولا مضى يوما في إشباع أفق انتظاره بدافع إنجاح اللقاء، وهذا ما كان يلاحظه حديدي الذي قال إنه عادة ما يجلس في آخر القاعة ليتابع حركة الجماهير وطريقة تفاعلها مع درويش سواء في مهرجانات عربية أو دولية.

 صبحي حديدي: درويش كان دائما يرتفع بالجمهور إلى ما يريده هو (الجزيرة)

الكونية في شعر درويش
وتحدث حديدي عن الكونية في شعر درويش بصفتها علامة ثابتة في منجزه الشعري منذ بداياته وذكر أن درويش كان حريصا على القول بأن لا كونية دون الانطلاق من المحلية.

وأورد الناقد السوري الكثير من القصص والحكايات والطرائف التي كان شاهدا عليها مع محمود درويش، عائدا كل مرة إلى كونية درويش الذي كان يردد دائما بأن أكبر ما يمكن أن يقدمه لشعبه وللقضية الفلسطينية أن يكون شاعرا مهما. وكشف أنه يمتلك كما هائلا من المخطوطات المختلفة لمحمود درويش وأنه على استعداد لتقديمها إلى متحف خاص يليق بمحمود درويش.

كما تحدث حديدي عن ثقافة دوريش الذي كان مدمنا على قراءة الرواية وباحثا ومنقبا عن عيون التجارب الأدبية العالمية وفترة البحث التي يقطعها لإنجاز عمله الإبداعي.

وأشار إلى الأشهر الطويلة التي قضاها الشاعر يبحث في عالم الهنود الحمر، حيث انعزل يقرأ نصوصهم المترجة وما كتب عنهم ومشاهد الأفلام التي يظهرون فيها وغير ذلك من الوثائق حتى كتب قصيدته الشهيرة التي اعتبرها النقاد الغربيون المهتمون بالهنود الحمر إحدى الروائع والمراجع الرئيسة في تقديم عالمهم، وكانت قصيدته تلك ردا على غزو الرجل الغربي من ناحية وقلبا للصورة النمطية للهندي الأحمر بصفته كائنا متوحشا إلى بطل مقابل وحشية وبربرية الغازي الأبيض.

جانب من الجمهور الحاضر في تظاهرة إحياء ذكرى درويش بتونس (الجزيرة)

مزالق المؤسسة النقدية
أما الدكتور فتحي النصري والذي عقب على ما ورد في مداخلة صبحي حديدي واعتبر أن قراءة درويش وفق هذه الثنائية المحلية والكونية أصبحت قراءة مكررة ولا قيمة لها حقيقة لو دققنا في تجربة درويش من ناحية وفي مفهوم الشعر من ناحية ثانية.

فقد سقط النقاد -وفقا  للنصري- في وهم تعريف الكونية بصفتها تخففا من الذات الخاصة إلى الكليات والكوني والمشترك الإنساني ونسوا في المقابل ارتباط ظهور مصطلح الكونية بمصطلح الحداثة المرتبط بانتصار الذات الفردية. واعتبر أن لا أحد بإمكانه أن يجزم بأن تلك القصيدة لدرويش أكثر كونية من الأخرى، فقد تكون "أحن إلى خبز أمي" أكثر كونية من "سرير الغريبة".

وبشأن هذا الموضوع دار نقاش عن تجربة درويش وانفتاحها وعالميتها وعلاقتها بالمقاومة الفلسطينية وبالتطورات والأحداث العالمية. حضره الروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي والشاعر والروائي محمد علي اليوسفي والناقد السينمائي خميس الخياطي والناقد العادل خضر والشاعران محمد الخالدي وعبد الفتاح بن حمودة والعديد من الإعلاميين والشعراء.

واستمرت التظاهرة ليلا ليشهد متحف قرطاج الدولي أمسية شعرية أحياها الشاعر الفسلطيني إبراهيم جابر إبراهيم والشاعرة التونسية فاطمة بن فضيلة والشاعرة ريم السلامي التي قرأت قصائد مترجمة لدرويش، كما كان للموسيقى نصيب حيث قدمت أغاني درويش بأصوات الفنانين: نوال بن صالح وجمال قلة ومراد جاد ولينا عليبان والثنائي لبنى نعمان ومهدي شقرون وعازف البيانو سامي بن سعيد.

بقي الجمهور التونسي وفيا لدرويش وفاء درويش له في سنوات الاستبداد وغفر له الجمهور التونسي قبوله بجائزة الرئيس المخلوع إيمانا منه بأن درويش قبل الجائزة من أجل أن يبقى في علاقة مباشرة بالجمهور التونسي لأنه برفضه لها سيكون قد قطع عليه طريق العودة إلى تونس التي قال فيها في آخر موعد معها: "كيف نشفى من حب تونس؟".

المصدر : الجزيرة