مستوطنة "إيلانية" على أنقاض السجرة قرية ناجي العلي التي دمرها الصهاينة (الجزيرة)
وديع عواودة-حيفا

يقول زملاء المدرسة وشركاء الطفولة لرسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي الذي تصادف ذكرى رحيله الخامسة والعشرون اليوم الأربعاء إن العلي تميز بموهبة رسم وروح ساخرة منذ طفولته.

الحاج هاني ذيابات أبو نعمان (75 عاما) ابن قرية ناجي العلي، (السجرة قضاء الناصرة) التي دمرتها القوات الصهيونية عام 1948 يستعين بذاكرته القوية لاستعادة ذكريات ست سنوات جمعتهما على مقاعد الدراسة.

أبو النعمان اللاجئ في قرية طرعان المجاورة يوضح أن المدرسة كانت صغيرة وضمت نحو 60 طالبا ويعدد أسماء معظمهم وكل المعلمين.

ويشير ذيابات إلى أن معلما من بيسان يدعى "حريص" قد علمهما الرياضة والأناشيد الوطنية والقومية والرسم، وقد تنبه مبكرا لموهبة ناجي العلي.

رسام الحي
ويتابع أنه منذ طفولته اعتبر ناجي العلي رسام المدرسة والحي، وخلال اللهو في لعبة "الحيزة" كان ناجي يتولى مهمة رسم المربعات على الأرض.

أبو نعمان في السجرة 2007 يتحدث عن قريته التي دمرتها الصهيونية (الجزيرة)

أبو نعمان الذي يعذبه الحنين لموطنه يشير إلى أنه وأترابه كانوا "يسرقون" حجارة الجير "الطباشير" من المدرسة لتزويد ناجي بها فيرسم على الجدران وبوابات البيوت الحديدية.

وذكر أن الراحل كان يكثر من رسم الحيوانات كقطعان الماعز والجمال والطيور بسرعة ودقة فائقتين، وكان بمقدوره أن يرسم حيوانا أو طيرا في ثوان بعدما يمر من أمامه بلمح البصر.

وأشار إلى أن ناجي العلي نزح مع عائلته إلى قرية العزير المجاورة ومنها إلى لبنان نتيجة تصاعد اعتداءات العصابات الصهيونية على (السجرة) وأن العلاقات بينهما انقطعت منذ النكبة عام 1948.

كلمات لاذعة
بدوره يذكر الحاج محمد ذيابات أبو إبراهيم (76 عاما) من السجرة أصلا والمقيم في بلدة كفركنا المجاورة منذ النكبة مع قريبه أبي نعمان أن ناجي العلي كان في طفولته نحيفا مسالما وهادئا، لكنه يميل للكلمات اللاذعة.

الحاجة نجية هياجنة أم عادل (76 عاما) المقيمة في قرية كفركنا المجاورة ولدت بنفس سنة ميلاد ناجي، عام 1936، تؤكد هي الأخرى أنه كان مغرما بالرسم على الحيطان.

وتشير إلى أنه أحب الرسم على جدران وبوابات المنازل في قريته، وأنه كان ذكيا لماحا وسريع البديهة، وتستذكر أنه دأب على مساعدة والده في العمل بعد الظهر في دكان بملكيته في حي المنزول بقرية السجرة.

ويؤكد المربي المتقاعد محمود عبد الفتاح أبو الرائد (83 عاما) المقيم في مدينة الناصرة ما قاله أتراب ناجي، ويقول إنه يذكر ناجي العلي طالبا نبيها لماحا.

أبو الرائد الذي يقرض الشعر ويتمتع بذاكرة قوية يشير إلى أنه عمل في التدريس بمدرسة السجرة عامين قبل نكبتها عام 1948 ويقول إنه عرف ناجي وعائلته عن قرب.

ويستذكر أنه درّس ناجي العلي يوم كان تلميذا في العاشرة من عمره بعمر "حنظلة"، منوها بأن بينهما شبها بالروح، ويضيف "رغم صغر سنه كان يمكن استشعار روحه الساخرة".

الفنان أبو عرب في زيارته لقريته السجرة الربيع الفائت (الجزيرة)

ذكريات الطفولة
ويؤكد ذلك الفنان إبراهيم محمد صالح (أبو عرب) ابن قرية السجرة التي هجر منها وهو في السابعة عشرة من عمره بالقول إنه لم يكن في القرية سوى 17 أميا.

أبو عرب زار السجرة في الربيع الفائت للمرة الأولى، وفوق ترابها استذكر رفيق دربه بالفن الملتزم. وقال إنه حينما كانا يسافران سويا اعتادا على المبيت في غرفة واحدة، فيقضيان الليل في استحضار ذكريات "جميلة وأليمة من أيام الطفولة والصبا في السجرة التي أثر الشوق لها فيهما وبفنهما  عميقا.

ويتابع "كنا  نلف الجبال والسهول ونتجول بين الكروم، والحقول لالتقاط ثمار الذرة وتناولها بعد شيها على الحطب".

كما استذكر سيمفونية الأجراس الرنانة المثبتة في أعناق الماعز وهي عائدة عند المساء من الرعاية، فيما كان الرعاة بدورهم يملؤون الفضاء بألحان الناي (الشبّابة). ويضيف "كان ناجي يقول لي إن  صياح الديوك في الصباح وهي تملأ الفضاء ظل يرن في أذني".

أنت عدت الساعة وناجي لم يعد؟ سألنا الشاعر الذي أسّس للأغنية الفلسطينية التراثية الملتزمة فأنشد بصوت حزين شجي مرتجلا قبالة موقع "توتة الدار": "أوف.... أوف أيام الدهر يا ناجي لو أنك لو أنك حزين وسمع هالوادي.. لو أنك لو أنك قبل ما تغادر كحلت عيونك بشوف التراب".

ويرجح أبو عرب أن ناجي العلي دفع ثمن رسوماته الجريئة ومواقفه الصلبة يوم أطلق عليه مجهول رصاصة في رأسه في 22 يوليو/تموز 1987. وتوفي بعد أكثر من شهر ودفن في لندن بخلاف وصيته بأن يدفن بجوار والده في مخيم عين الحلوة الذي عاش فيه تاركا زوجة وأربعة أبناء ونحو 40 ألف لوحة رسم.

المصدر : الجزيرة