طارق الشناوي

هل صارت الفضائيات هي المصدر الأول لحالة الانفلات اللفظي التي بات عليها الشارع العربي في العديد من ممارساته بسبب ما تبثه خاصة المسلسلات الرمضانية من ألفاظ لم تتعود عليها الأذن العربية فأصبحت مستأنسة ومتداولة بل ومستحسنة عند البعض؟ هل نحمل الدراما الرمضانية تبعات المسؤولية كاملة؟

استمعت مرة إلى الأديب الكبير الراحل يوسف إدريس كان يحكي أنه في شبابه تعلم أن يضع علبة السجائر في جوربه بعد أن شاهد "محمود المليجي" يفعل ذلك في أحد الأفلام، فأصبحت علبة سجائره منذ ذلك الحين لا تعرف الطريق سوى للجورب.

لا نستطيع أن ننكر أن الكثير من العادات تنتقل إلينا عبر الشاشة إلا أننا فى نفس الوقت لا يمكن أن نستسلم إلى ذلك ونضع محاذير على كل ما يبث إعلاميا خوفا من انتقاله إلى البيت

لا نستطيع أن ننكر أن الكثير من العادات تنتقل إلينا عبر الشاشة إلا أننا في نفس الوقت لا يمكن أن نستسلم إلى ذلك ونضع محاذير على كل ما يبث إعلاميا خوفا من انتقاله إلى البيت. قبل نحو عشرين عاما أخرج "أوليفر ستون" فيلمه "ولدوا ليقتلوا" ينتقد فيه وسائل الإعلام وكيف أنها صدرت العنف للمجتمع فبات أكثر دموية.

العلاقة كانت ولا تزال تبادلية بين الشارع والشاشة، تنقل السينما ما يجري في الشارع ثم تصدره للناس وعلى هذا فإن كلمات كثيرة تسللت إلى البيوت عن طريق المسلسلات في رمضان والحقيقة أنها لم تعد قاصرة على الدراما فقط ولكنها صارت تستخدم على نطاق واسع فى لغة الصحافة بل وفي الأغاني والشعر وعبر رسائل "النت" حتى أن المجلس القومي لحقوق الإنسان فى مصر يتابع ما يجري عبر الفضائيات من انفلات لفظي في العديد من المسلسلات وهو بصدد إعداد تقرير يتناول تلك الظاهرة.

في العالم تتوالد كلمات جديدة وتتغير الأطر الدلالية لبعض الكلمات من حقبة زمنية إلى أخرى ويجب علينا أن نذكر أن الكلمة قبل أن يتم تداولها لا تأخذ ضوءا أخضر ولا تصريحا رسميا من مجمع اللغة العربية، ولكنها تنتزع حضورها عنوة في الحياة وكل زمن يطرح مفرداته، ولو تابعت لغة التخاطب عبر النت ستكتشف أن ما تسمعه فى المسلسلات هى كلمات مهذبة جدا بالقياس لما هو متداول بكثافة الآن في العالم الافتراضي من خلال فيسبوك وتويتر.

من البديهي أن تتسلل هذه الكلمات أيضا إلى الشاشة، ليس هذا تبريراً ولا دفاعا عنها فهي فى جزء منها تجرحنا ولكن علينا أن نذكر أن الشارع يقبل ببساطة عبارة "أولاد الذين" التي استخدمها الشاعر "سيد حجاب" في إحدى أغانيه ومقدم برنامج سمعناه يقول "أنا ابن ستين كلب" لو عملت كذا أو "أقلع هدومي فى ميدان التحرير لو حدث كذا".

هناك ولا شك من يسعى إلى الإسراف في استخدام هذه الكلمات التي صارت مثل مزاد علني، كل يريد زيادة الجرعة لكي يرسو عليه العطاء الجماهيري فيتابعه الناس.

دخل إلى سوق الكتابة الدرامية جيل جديد القليل منهم موهوب والأغلبية موهوم معتقدين أن مجرد كلمة "روشة" من هنا أو هناك تمنح الحوار نكهة عصرية وتجعله على موجة الناس، لقد أصبح هناك قاموس يطلقون عليه لغة "الروشنة" يتم تحديثه كل العام حتى يستوعب الكلمات الحديثة التي تضاف إليه.

ولو قلبت فى صفحات الدراما ستكتشف أن أشهر عبارة أحدثت ضجة في مصر ووصفت وقتها بالانفلات هي تلك التي أطلقتها "فاتن حمامة" في فيلم "الخيط الرفيع" في منتصف السبعينيات "ابن الكلب" التي نعتت بها "محمود ياسين" في حوار ساخن كان من المستحيل العثور على مرادف لفظي آخر ولكن الذي حدث بعدها هو أن البعض طالب المعاملة بالمثل ورأينا سيلا عارما من مشتقات تلك الكلمة تتسلل إلى الأفلام.

بقدر ما أرفض تلك الأعمال التي تبدو معقمة فأنا أرفض أيضاً الإسراف الذي يصل إلى حد الإسفاف فى أعمال أخرى

لا ينجح عمل فني لأن به بذاءات أو لأن البعض يعتقد أن هذه جرأة. الناس بطبعها تكره الإفراط والحكمة تقول الفضيلة تقع بين رذيلتين الإفراط والتفريط وهكذا بقدر ما أرفض تلك الأعمال التي تبدو معقمة فأنا أرفض أيضاً الإسراف الذي يصل إلى حد الإسفاف فى أعمال أخرى. النوعان مرفوضان سواء تلك التي تغلف نفسها بغطاء من أوراق السوليفان أو الأخرى التي تبدو وكأنها قد تخلصت حتى من ورقة التوت.

هل مخرجو السينما الذين احتلوا الشاشة الصغيرة هم المتهمون بالتجاوز بعد أن نقلوا معهم الحوار السينمائي الذي يحمل أحيانا قدرا من التجاوز؟ البعض خاصة من مخرجي التلفزيون الذين وجدوا أنفسهم خارج نطاق الخدمة في رمضان بعد أن توجهت شركات الإنتاج إلى مخرجي السينما، البعض منهم يتهم مباشرة هؤلاء المخرجين بالتجاوز في استخدام تلك الألفاظ.

ورأيي أن مثل هذه التحليلات تبدو في جانب منها وكأنها تبحث عن مبرر خارج عن النص لما نراه الآن من توفر عدد كبير من مخرجي السينما المصرية صاروا هم الأكثر طلباً في الشاشة الصغيرة.

هناك إحلال وتجديد حالياً في اختيار المخرجين، ليس عبثا أن نرى خالد مرعي "شربات لوز" ومحمد بكير "طرف ثالث" وعثمان أبو لبن "فرتيجو" وأحمد جلال "رقم مجهول" وسعد هنداوي "زي الورد" ومحمد علي "الهروب" وأحمد مدحت "عرفه البحر" وعادل أديب "باب الخلق" ورامي إمام " ناجي عطا الله" ومحمد مصطفى "9 شارع جامعة الدول العربية" وكلهم من مخرجي السينما.

بالتأكيد يتباين مستواهم الفني وبعضهم يقدم رؤية تعود بنا إلى ما قبل بدايات زمن الإخراج التلفزيوني، ولكن لا شك بينهم من أحدثوا نقلة على مستوى الرؤية البصرية.

هناك بالفعل حالة من الانفلات اللفظي شاهدناها على الشاشة الصغيرة وهي ليست مسؤولية مخرجي السينما ولن تتوقف بمجرد أن تتدخل الرقابة ولا بميثاق شرف يتم اختراقه ولكن أولا بتهذيب لغة الخطاب في الشارع والنت والإعلام.

لا نستطيع أن نعزل الشاشة عن ما نراه فى الشارع ولا أن ننكر أن الدراما أيضا أثرت فى لغة الشارع. فما نراه في الشارع أحد مظاهر ما تبثه الشاشة، إنهما وجهان لعملة واحدة.

المصدر : الجزيرة