من فعاليات المهرجان الدولي للتراث الشفهي بالرباط (الجزيرة نت)

الرباط - نزار الفراوي

في صلب التراث الشفهي بالمغرب، على غرار شعوب الحوض المتوسطي جميعها، تحتل المرأة وضعا خاصا جديرا بالدراسة والبحث لاستقصاء التصورات الاجتماعية المتوارثة تجاه المرأة، والتي يطبعها الكثير من الأحكام الجاهزة ذات الخلفية الذكورية، والمتراوحة بين التبخيس و"الشيطنة".

وبالرغم من أن الحكايات الشفهية الشعبية تدين بتوارثها إلى حد بعيد لذاكرة الأمهات والجدات، بوصفهن الراوي الرئيسي، الذي يقدم الحكاية وصفة لنوم الأطفال وتسليتهم، فإن هذا التراث على وجه الإجمال ساهم في تكريس صورة مسيئة للمرأة، مهمشة لوظيفتها الاجتماعية، وأحيانا "مشيطنة" لها.

وإن كانت الحكايات تكتسي في كل بلد بألوان متخيله الخاص وتجربته التاريخية المتفردة، فإن باحثين من شمال وجنوب المتوسط، خلصوا خلال اجتماع بالعاصمة المغربية الرباط، بمناسبة تنظيم الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للحكاية (من 5 إلى 12 أغسطس/آب)، إلى وجود نقط تشابه وتماثل كبيرة بين حكايات الشعوب المتوسطية في استحضار أدوار النساء وتحديد سمات شخصياتهن وخصائصهن الذهنية والسلوكية.
 
وهي في أغلب الأحيان فاعل ثانوي في نسج خيوط الحكاية، أو موضوع لشهوة الرجل أو سلطته (زوجة مطيعة أو أم حنون أو أميرة جميلة في انتظار الفارس مثلا)، وإن أسند لها دور فاعل في صنع الحدث العقدة، فتكون حينئذ كائنا جنيا جبارا أو ساحرة شريرة تحبك المؤامرات.

الباحثون خلصوا لوجود نقاط تشابه كثيرة بين حكايات الشعوب المتوسطية (الجزيرة نت)
إنه متخيل من صنع واقع اجتماعي يستبعد المرأة من دائرة الضوء والصدارة، لكن اللافت أن هذا المتخيل تسلل ليؤثر في منتجين كبار للتراث الفكري والأدبي حتى في دول شمال المتوسط.

فقد نبهت الباحثة الفرنسية هيلين كوشو دومارتي إلى أن أسماء عظيمة بتاريخ الأدب الفرنسي، أعادت إنتاج الصور المتجنية على المرأة. وهو ما لم يسلم منه رموز من حجم موليير وفولتير. ولم تعدل الصورة نسبيا إلا مع أدباء القرن التاسع عشر، على غرار بلزاك وإميل زولا. وفي المقابل، فإن التراث الشفهي في الجنوب مازال يعيد إنتاج صور نمطية منتقصة من قدر المرأة ومختزلة لدورها.

سعي لتغيير
وقد أجمع الباحثون المشاركون، بمرجعياتهم وانتماءاتهم المختلفة، على ضرورة القيام بمسح عميق لصورة المرأة في المتخيل الشعبي الحكائي، والانخراط في مجهود بيداغوجي "تعليمي" يكبح استمرار توارث المواقع الشائنة والدونية التي احتلتها المرأة، ويحول دون تأثيرها على اعتقادات وسلوك أجيال الحاضر والمستقبل.

وعلى الصعيد التطبيقي، سعى المنظمون إلى مصالحة الفضاءات العمومية التي اجتاحتها مظاهر الحداثة والتمدن مع إرث الساحات الشعبية التي عرفت في مختلف المدن والقرى المغربية باحتضانها لحلقات حكي ينشطها رواة محترفون يجوبون البلاد مزودين بمتون حكائية تحفظها ذاكرتهم.

وانفتحت عدة فضاءات في الرباط ومحيطها على جلسات لسرد حكايات مغربية ومتوسطية، تعزز مسعى الجمعية المنظمة للمهرجان "لقاءات للتربية والثقافة" إلى تفعيل شعار التنوع الثقافي، في منطقة معروفة بموروثها السردي الشفهي المميز. ويتعلق الأمر بحكايات من الجزائر وتونس وليبيا ومصر وفلسطين ولبنان وتركيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، فضلا عن المغرب.

وجدير بالذكر أن الجمعية المنظمة للمهرجان الدولي للحكاية أصبحت معتمدة لدى منظمة اليونسكو، التي تبدي منذ سنوات طويلة اهتماما متزايدا بمختلف مكونات التراث اللامادي للإنسانية، وتدعم سياسات وبرامج الحفاظ عليه وتأهيله، خصوصا في دول الجنوب التي يواجه فيها هذا التراث خطر الاضمحلال أمام موجات التحديث الكاسحة.

المصدر : رويترز