سمر يزبك سجلت في كتابها الشهور الأربعة الأولى من الثورة السورية (الجزيرة)
مها حسن-باريس
 
ربما لم يحظَ كتاب عن ثورات الربيع العربي، سواء باللغة العربية أواللغات الأخرى، بالاهتمام الذي حظي به كتاب "تقاطع نيران" للروائية السورية سمر يزبك. والذي تصدر ترجمته الإنجليزية الشهر الجاري بعد أن ترجم أيضا للفرنسية والألمانية والإيطالية.
 
قد يشكل اجتماع عدة عناصر معا سببا في جذب انتباه القارئ والناشر الغربي إلى كتاب يزبك، كخصوصية الثورة السورية في امتدادها الزمني قياسا بثورات الربيع الأخرى، والقمع العنيف الذي تعرضت له وعدد شهدائها، يضاف إلى ذلك طريقة الكتابة، التي لم تتنازل فيها يزبك عن توجهها الذي يجمع بين اللغة الأدبية القوية وقوة التأثير النفسي من خلال سرد يوميات الانتفاضة السورية.
 
سمر يزبك، التي غادرت سوريا أثناء الثورة، منذ عام تقريبا لتعيش في باريس تصاحب جولاتها لتوقيع كتبها باللغات الأجنبية، بحضور ملتقيات عدة وإلقاء محاضرات في وسائل الإعلام والمدارس والأكاديميات الغربية، والمؤسسات المدنية والمنظمات الحقوقية، مقدمة شهاداتها الحية عن الثورة. متممة ما لم تقله في كتابها الذي يرصد الأشهر الأربعة الأولى من الثورة فقط.
 
الروائية سمر يزبك تشارك في العديد من الملتقيات والمنتديات بأوروبا للحديث عن الثورة السورية (الجزيرة)
دور المثقف
قد لا يحتاج الأمر إلى المحاضرات كما يعتقد الكثيرون، لأن الفضائيات لا تكف عن تقديم صور حية لموت مباشر أحيانا على الهواء، عدا ما تقدمه صفحات التواصل الاجتماعي وما تعرضه التنسيقيات في سوريا عن تفاصيل التظاهرات، والاستشهاد والتخريب والتدمير، وإحصائيات الموت في كل يوم.
 
ومع ذلك لا يمكن إنكار دور الأدب ومساهمته في توضيح الصورة، ودور المثقف الذي تُعتبر شهادته أكثر تأثيراً بالنسبة لطبقة معينة من الجمهور الغربي، المتلهّف للمعرفة، خاصة أن القنوات الإعلامية قد تكتفي أحياناً بتقديم الصور، دون التعمّق في التحليل الفكري أو النقدي.
 
إن دور المثقف المنبثق من الأرض السورية، يختلف عن دور الإعلامي، لا بغرض انتظار موقف مباشر منها، بل بقصد تقديم الصورة الفعلية غير المسيسة وغير المؤدلجة، وإن كان من الصعوبة بمكان فصل السياسي عن الثقافي في هذا النوع من النشاطات، المكرسة لشرح تفاصيل الحالة السورية، وتاريخ الاستبداد وطبيعة الأنظمة التي  فاجأت دمويتها العالم. وهنا تماما يكمن دور المثقف المنخرط في الثورة، المندمج مع الثوار.
 
وفي سياق هذا الدور أصدر مهرجان برلين للأدب بمناسبة اليوم العالمي للكتاب بيانا للمشاركة في قراءة عالمية لمقتطفات من كتاب سمر يزبك عن الثورة السورية، وقد وقع على البيان كتّاب عالميون كبول أوستر ونعوم تشومسكي وخوان غويتسولو ومن الكتاب العرب زكريا تامر وعلاء الأسواني وصموئيل شمعون وغيرهم.
 
ما إن بدأت يزبك تسجيل يوميات  الثورة السورية، حتى تعرضت لهجمات عديدة وانتقادات من الطرفين، من قِبل النظام، ومن قِبل بعض المعارضين
انتقادات
بالعودة إلى إقامة سمر الأساسية في باريس، رغم جولاتها خارج فرنسا وداخلها، فإنها لم تكتفِ بالكتابة كفعل ثوري وردّ على العنف الحاصل في سوريا، بل قامت بإنشاء منظمة تهتم بالنساء السوريات، "سوريات من أجل التنمية الإنسانية"، مقرها باريس، حيث تتعاون مع عدة أشخاص من داخل سوريا وخارجها، لتوثيق الانتهاكات ضد النساء أثناء الثورة، من اغتصاب وقتل واعتقال، وكذلك تقوم المنظمة على دعم مشاريع اقتصادية صغيرة للنساء داخل سوريا كما أنها تهتم بإبداع الكاتبة السورية أثناء الثورة.
 
كان لسمر أيضا دور مهم خلال محاضراتها وسط حضور فرنسي وأوروبي كبير، بوصفها شاهدة آتية من أرض الثورة. تحدثت يزبك مطولا عن أثر الثورة على كتابتها، والانتقال الذهني الذي أحدثته الثورة على أسلوبها واهتمامها، كتحولها مثلاً من حالة الانتماء إلى الالتزام، وانتقالها الكبير إثر الثورة، من روائية تتسم نصوصها وقضاياها بشيء من العدمية، إلى كاتبة مؤمنة بأهمية الكتابة ودور الكلمة، في التغيير.

في كل ما تقوم به يزبك من نشاطات مكمّلة للكتابة، أي الندوات والمحاضرات واللقاءات مع الجمهور الغربي للحديث عن شهاداتها في الثورة، إضافة لكتاباتها، سواء المقالات أو الروايات أو كتاب الشهادات الأخير، فإنها كما لو تضع نفسها في مرمى النيران، دون أن تملك خيارات أخرى.

فهي ما إن بدأت بتسجيل يوميات الثورة، حتى تعرضت لهجمات عديدة وانتقادات من الطرفين، من قِبل النظام، ومن قِبل بعض المعارضين. هل كان من الأفضل لها لو أنها كتبت بصمت، دون لفت أنظار النظام إليها، هو ذاته الذي طرحته في كتابها المذكور، لكن يزبك تبدو راضية عما فعلته، وتؤكد أن الكتابة بهذه العلنية والوضوح هي التي تقدم خدمة أكبر للثورة.

وهنا يبدو السؤال المهم الذي يطرح في العالم العربي حاليا، إلى أي حد يدفع الكاتب ثمن كلمته، وثمن مواقفه، وخاصة حين يكون الكاتب امرأة، وإلى أي حد تدفع المرأة من حياتها وأمنها وطمأنينتها ثمن كتابتها المعارضة للنظام السياسي، وللنظام الاجتماعي، ولكل أنظمة الاستبداد؟ هل تدفع المرأة الكاتبة أثماناً مضاعفة؟ وهل هناك أصعب من ثمن أن يكون أحد ما في "تقاطع نيران" موجهة من كل حدب وصوب!

المصدر : الجزيرة