غارسيا ماركيز قدم عددا من الروايات العظيمة التي كان لها أثرها في الأدب العالمي (الأوروبية)
 
لم يبلغ الروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز المائة عام بعد، ولم يمض عمره الذي تجاوز الثمانين في عزلة، كما في أيقونته الأدبية التي أهلته لنيل جائزة نوبل للآداب. لكن الأديب الكبير دخل متاهة الخرف مبكرا نسبيا، هذا الداء القرين للعائلة كما أكد شقيقه خايمي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام كولومبية.
 
تصريحات شقيق الروائي الأشهر جاءت على هامش مؤتمر في منطقة كارتاخينا الساحلية الكولومبية، وأوضح فيها خايمي ماركيز أن شقيقه يعاني من مشاكل في الذاكرة، وقد شعر بأولى أعراض الخرف عام 1999 عندما عانى من مرض السرطان الذي نجا منه. وقد سرّع العلاج الكيميائي الذي تابعه للقضاء على المرض من العملية لديه، قبل أن يؤكد أن العائلة جميعا تعاني من الخرف، وأنه شخصيا يعاني بعض المشاكل والاضطرابات.
 
الكاتب الكبير المسكون بالحب والجمال -والذي لم ينشر شيئا جديدا منذ أعوام عديدة- أدخل القراء عبر أعماله الروائية في عالم مترع بسحر الأدب، إذ يراوح بين ذلك الخيط الرفيع من الواقع والخيال المدهش.. احتفل بعيد ميلاده الخامس والثمانين في مارس/آذار الماضي برفقة أصدقاء له من الفنانين والكتاب في أحد أحياء جنوب العاصمة المكسيكية مكسيكو، أين يقيم مع زوجته منذ عام 1961. وترددت أنباء بشأن تردي وضعه الصحي منذ وقت طويل.

ورغم سطوة المرض بقيت روح المبدع لدى ماركيز متقدة وحية، فكتب رسالة وداع حارّة إلى محبيه انتشرت عبر الإنترنت وتناقلها عشاقه ومريدوه. يقول فيها "لو وهبني الله حياة أطول لكان من المحتمل ألا أقول كل ما أفكر فيه، لكنني بالقطع كنت سأفكر في كل ما أقوله.. كنت سأقيّم الأشياء ليس وفقاً لقيمتها المادية، بل وفقاً لما تنطوي عليه من معان.. كنت سأثبت لكل البشر أنهم مخطئون لو ظنوا أنهم يتوقفون عن الحب عندما يتقدمون في السن، بينما هم في الحقيقة لا يتقدمون في السن إلا عندما يتوقفون عن الحب..".

في أعمال ماركيز يلج القارئ مناخات أدبية سحرية تعلو فوق الزمان والمكان، لتلامس أفقا إنسانيا رحبا في نصوص حبلى بعجائب الأحداث وغرائب الواقع والمشاعر المتدفقة والمفاجآت الكثيرة والشخصيات المتنوعة

رسالة مفعمة بالحب والدعوة إليه، وهو توجه أصيل في أعمال أشهر أدباء أميركا اللاتينية، الذي كشف في سيرته "أعيش لأروي" أن القصة التي ألهمته رواية "الحب في زمن الكوليرا" هي قصة حب أبيه لأمه، وفي هذا يقول "إن هذا الحب في كل زمان ومكان، ولكنه يشتد كثافة كلما اقترب من الموت"، ولهذا كان الحب هو الثيمة الأساسية في واقع مليء بالحروب الأهلية والأوبئة ورائحة الموت المنبعثة من كل مكان.

مع  صاحب "قصة موت معلن" يلج القارئ مناخات أدبية سحرية تعلو فوق الزمان والمكان، لتلامس أفقا إنسانيا رحبا في نصوص حبلى بعجائب الأحداث وغرائب الواقع، والمشاعر المتدفقة والمفاجآت الكثيرة والشخصيات المتنوعة.

"ماكوندو" في "مائة عام من العزلة" هي تلك القرية المعزولة التي تنبثق فجأة -مثل وادي العيون في مدن الملح لعبد الرحمان منيف- ثم تختفي وتعود إلى العزلة الأبدية. يأتي إليها الجميع وبينهم العرب باختراعاتهم وعلومهم، والباحثون عن المعرفة والاستعمار والشركات الاحتكارية الأميركية والمبشرون.. القرية التي تنطلق منها شرارة  ثورة الأحرار ضد المحافظين، مذكرا بثورة سيمون بوليفار ضد الملكية الإسبانية والذي كتب ماركيز سيرته في رواية بعنوان "الجنرال في متاهة".

روايته "خريف البطريرك" مثلت قصيدة أدبية مذهلة ضد الدكتاتورية وحكم الفرد الذي عشش في عدد من بلدان أميركا اللاتينية، جاءت بأسلوب يجمع بين الموسيقى والشعر والمشهدية السينمائية، حكاية دكتاتور كلّي الوجود وسلطته أبدية أيضا، يعلن حالة حرب ضد الجميع ويصفي كل منافسيه وخصومه وفق مقولة "عاش أنا"، غير أنه في النهاية يجد نفسه في مواجهة الموت، لتهب نسائم التحرر.

ورغم أن ماركيز اشتهر روائيا فإنه بدأ حياته صحفيا مثل الروائي الأميركي أرنست همنغواي، وعمل مراسلا في عدد من البلدان الأوروبية، وكتب أيضا القصة القصيرة والشعر، وهو الذي أعطى أدب أميركا اللاتينية زخما وشهرة كبيرين، وكان رابع أديب أميركي لاتيني يحقق جائزة نوبل (1982) بعد ميسترال وأوستاريس وبابلو نيرودا.

قدم ماركيز عام 2002 سيرته الذاتية في جزئها الأول بعنوان "أعيش لأروي"، إذ تناول فيه حياته حتى عام 1955. وحقق الكتاب في نسخته الإسبانية مبيعات كبيرة، ونشرت الترجمة الإنجليزية لمذكرات ماركيز على يد الصحفي الأميركي إيدث غروسمان عام 2003، كما نشرت روايته الجديدة "ذكريات غانياتي الحزينات".

في هذه الفترة التي يعاني فيها ماركيز من المرض والخرف ويراها المتابعون "موتا غير معلن" للروائي الأشهر، تبقى بصمته الأدبية على الصعيد العالمي معلنة وواضحة وبراقة، لتكرسه بموهبته الفذة أحد أعظم أدباء العالم في القرن العشرين إن لم يكن أعظمهم.

المصدر : وكالات,الجزيرة