غلاف كتاب "دفاتر حمص" للروائي الفرنسي جوناثان ليتل (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، أمضى الكاتب الفرنسي (الأميركي الأصل) جوناثان ليتل أسبوعَين في مدينة حمص السورية، حيث راقب ودوّن ملاحظات جمّة تفضح بما لا يقبل الشك عمليات القمع المنهجية، التي يتعرّض لها أبناء المدينة على يد النظام السوري.
 
ونشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية جزءا من هذه الملاحظات على شكل حلقاتٍ متسلسلة، قبل أن تعمد دار نشر "غاليمار" الباريسية إلى جمعها وإصدارها كاملة في كتاب يحمل عنوان "دفاتر حمص".
 
ولم يكن صاحب رواية "المتسامحات" -التي حققت نجاحا كبيرا بفرنسا- مجرّد روائي سعى في ذهابه إلى سوريا خلف المغامرة. فحسّه الإنساني الكبير دفعه قبل ذلك إلى النشاط على مدى سبع سنوات في منظمة "العمل ضد الجوع" داخل بلدان في حالة حرب، كالبوسنة وأفغانستان والشيشان والكونغو وجنوب السودان. وبالتالي، فإن أجواء الحرب ليست جديدة عليه، كما ليس جديدا عليه استخدام الأحداث التاريخية أو الراهنة كمصدر وحي لكتابته.
 
وتستحضر صورة الكاتب -الحاصل على الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية- على جبهة القتال إلى أذهاننا تجربتي أندريه مالرو وأرنست همينغواي خلال الحرب الأهلية في إسبانيا وتجربة برنار هنري ليفي في ليبيا مؤخّرا. لكن على خلاف مالرو وهمينغواي لم يحوّل ليتل في كتابه الأخير ما شاهده في حمص إلى مادّة روائية خيالية، كما لم يسع إلى لعب دور في الصراع الدائر مثل هنري ليفي، بل نجح في أن يكون شاهدا قيّما وموضوعيا بنقله ما يحصل على أرض الواقع، مركّزا انتباهه على الوقائع، وإن ترك لذاته من حين إلى آخر فسحة صغيرة للتعبير عن خوف أو قرف أو يأس.

ومنذ السطر الأول، يحدّد ليتل طبيعة كتابه بقوله أنه وثيقة -وليس نصّا أدبيا- تتألف من ملاحظات دوّنها في سوريا، بهدف استخدامها كركيزة لمقالات كان مقررا أن يكتبها فور عودته إلى باريس. لكن تدريجيا، تكاثرت هذه الملاحظات وتحوّلت إلى نص طويل بفعل ما اختبره من أهوال خلال رحلته. أما ما دفعه إلى جمع هذه الملاحظات وإصدارها في كتاب فهو تشكيلها تقريرا دقيقا عن الفترة التي استبقت مباشرةً مجازر النظام السوري في حمص في فبراير/شباط الماضي.

قد تكون غالبية الأحداث التي يتطرّق ليتل إليها في ملاحظاته معروفة، لكن أهمية هذه الملاحظات تكمن خصوصا في تسلسلها وطريقة صياغتها  التي تنجح في ترجمة الإيقاع اليومي المخيف لعمليات القمع الدائرة في سوريا

يوميات مدينة
وتحضر هذه الملاحظات داخل الكتاب على شكل دفتر يوميات، نتعرّف فيه بالتفصيل عن مّا عاشه ليتل على مدار الساعة في أحياء حمص بين ١٦ يناير/كانون الثاني و٢ فبراير/شباط، فنرافقه في التنقلات اليومية الكثيرة التي قام بها مع أبناء المدينة للاطّلاع على كافة جوانب معاناتهم وعلى طريقة تنظيم مقاومتهم وأساليب مدافعتهم عن أحيائهم.

ومن خطوط المواجهة الأمامية في أحياء بابا عمرو والخالدية والبياضة والصفصافة وباب دريب وباب تدمر، إلى شوارع المدينة الداخلية، حيث تتم عمليات القتل بواسطة القنص أو القصف المدفعي العشوائي، إلى داخل المستشفيات المستحدثة، حيث تتكدّس الجثث. ولا نكاد نتمكّن من التقاط أنفاسنا، وغالبا ما نتوقّف عن القراءة لصعوبة تقبّل العنف المتفشّي في معظم صفحات الكتاب.

وفي ملاحظاته، لا يكتفي ليتل بنقل ما شاهده في حمص، بل يمنح فرصة الكلام أيضا لمقاتلين من الجيش السوري الحرّ ولأطباء ومدنيين. ويعلّق من حين إلى آخر على الصور المرعبة التي التقطها شبّان المدينة على هواتفهم المحمولة. ويسرد بعضا من القصص الكثيرة التي سمعها أثناء تنقّلاته عن جار أو قريبٍ قُتل قنصا، عن أطفال ذُبحوا بحدّ السكين، عن نساءٍ تم احتجازهن وأحيانا اغتصابهن، عن جرحى توفّوا تحت التعذيب في المستشفيات العسكرية، عن أطباء تم توقيفهم وقتلهم، عن عائلات طُردت من بيوتها، عن محاولات النظام المنهجية لإثارة النعرات الطائفية.

وبموازاة تصويره الواقعي لسياسة القتل اليومية، التي يتّبعها النظام السوري ضد شعبه، يتوقّف ليتل مراراً في ملاحظاته عند شجاعة الثوّار المذهلة، التي تتجلّى في مواجهتم آلة النظام العسكرية والمخابراتية بإمكانياتٍ جدّ محدودة، وعند شجاعة المدنيين الذين ينزلون كل يومٍ إلى الشارع للتظاهر والتعبير عن رأيهم غناء ورقصا غير عابئين بالموت الذي يتربّص بهم. كما لا يفوّت فرصةً للإشادة بكرم أبناء مدينة حمص، الذين استقبلوه بحرارة أينما حلّ بينهم وأمّنوا له جميع حاجاته وتنقّلاته بدون مقابل على رغم وضعهم المادّي المزري.

وقد تكون غالبية الأحداث التي يتطرّق ليتل إليها في ملاحظاته معروفة وتتصدّر أخبار الصحف والنشرات الإخبارية منذ اندلاع الثورة السورية. لكن أهمية هذه الملاحظات تكمن خصوصا في تسلسلها وطريقة صياغتها، التي تنجح في ترجمة الإيقاع اليومي المخيف لعمليات القمع الدائرة في سوريا. وفي هذا السياق، لجأ ليتل إلى كتابة مركزة ومقتضبة يعكس تجردها من أسلوب الجانب الطارئ لما يتم سرده.

المصدر : الجزيرة