طارق الشناوي
 
في الماضي كانوا يقولون: اختلف العرب في كل شئ واتفقوا على "أم كلثوم"، ومر زمن واكتشفنا أن العرب صاروا يختلفون حتى على صوت "أم كلثوم. ونستطيع  القول الآن إن الفضائيات هي التي توحد العرب حقيقة، فقد جمعت الشامي على المغربي على المصري على الخليجي على الفلسطيني، ولم يعد للمثل الشهير "إيش جمع الشامي على المغربي" أي محل من الإعراب.

شهر رمضان شهد حالة من الانصهار خاصة في الفضائيات المصرية، فلا يوجد مسلسل إلا وهناك نجمة أو نجم عربي يشارك في بطولته، وخفت تماما ذلك الصوت الرافض الذي كان يردد "جحا أولى بلحم ثوره". وبرغم سخافة المثل إلا أنه مع الأسف كنا كثيرا ما نسمعه، وصار الآن يتردد على استحياء بعد أن تغيرت ملامح الشاشة الصغيرة العربية.

تلقيت مكالمة هاتفية من إحدى المذيعات فى بداية رمضان قالت لي فيها: هل يرضيك "الدار دار أبونا والغُرب يطردونا"، سألتها عما تقصده بـ"دار أبونا" فأشارت إلى المحطات الفضائية التي تستعين بالمذيع اللبناني وتترك المصري.

شهر رمضان شهد حالة من الانصهار خاصة في الفضائيات المصرية، فلا يوجد مسلسل إلا وهناك نجمة أو نجم عربي يشارك في بطولته

كانت تقصد المذيع اللبناني طوني خليفة وبرنامجه "زمن الإخوان"، فقد واصل خليفة تواجده للعام الرابع على التوالي في قناة "القاهرة والناس"، وجورج قرداحي، الذي عاد إلى التلفزيون المصري فى برنامج "المليونير" من خلال "الحياة". وجورج عرفناه في مصر قبل عشر سنوات وكان يعد أشهر مذيع لبناني في مصر ولا يزال. وجاء "نيشان" لأول مرة مع  برنامج "أنا والعسل" أيضا على فضائية الحياة ، كما تقدم نيكول سابا "التفاحة" في قناة دريم، ربما لم يكن الأربعة في أفضل حالاتهم، ولكن هذه قصة أخرى.

الجميع داخل رقعة العالم العربي صار يخضع  لقانون العرض والطلب، والفضائيات تستعين بالورقة الرابحة، التي تحقق لها الدخل الأعلى والجاذبية الأكبر، ولا مجال لمن يتصور أنه مصري فهو الأحق في القنوات المصرية أو تونسي فيصبح هو المرشح الأول في برنامج تونسي، وكأنه "جحا الذي يريد الاستحواذ على لحم ثورو".

السوق التلفزيونية أصبحت تفرض على الجميع ضرورات اقتصادية. الأصوات الغاضبة التي تسأل: لماذا مثلا يعمل المذيع اللبناني بينما هم في بيوتهم يذكرونني بتلك الهجمات الفاشلة التي شنتها نقابة الممثلين المصرية قبل نحو خمس سنوات ضد أي فنان عربى يعمل في مصر، وبدأنا نتابع قرارات عشوائية تصدر من أجل تحجيم مشاركة الفنان السوري أو اللبناني في الدراما المصرية.

لم نشعر أبدا وقتها أن هذه القرارات تسعى لحماية الفنان المصري، بل كانت تُظهره في مكانة الأضعف، ومع الأسف جزء من الإعلام  المصري تورط في الدفاع عن هذه القرارات، ولكن ما حدث بعد ذلك هو أن كل محاولات تحجيم الفنان العربي ماتت على أرض الواقع، والعديد من المسلسلات التي نشاهدها هذا العام يشارك في بطولتها فنانون من سوريا ولبنان وتونس وفلسطين والأردن والسودان، ولم يعد أحد حتى يتذكر جنسية هؤلاء.

الفضائيات طرحت قانونا مختلفا، وهو أن الفنان الأعلى إبداعا هو المطلوب ولا شيء آخر، فهذا العام مثلا استعانت الدراما المصرية بالمخرج التونسي "شوقي الماجري" في المسلسل الرائع "نابليون والمحروسة"، كما أسند المخرج عمرو عرفة للمعلق الكروي التونسي الشهير "عصام الشوالي" أداء مشهد داخل فيلمه "حلم عزيز"، بالرغم من توفر عشرات من مذيعي مباريات كرة القدم المحليين!!

الفضائيات طرحت قانونا مختلفا، وهو أن الفنان الأعلى إبداعا هو المطلوب ولا شيء آخر

ويجب ألا ننسى أن التلفزيون المصري كان يحمل حتى سنوات قليلة اسم التلفزيون العربي، بل إن الفنان والأديب المصري الذي يحقق نجاحا استثنائيا كان يحمل في الماضي لقب عربي، أم كلثوم اعتبرت سيدة الغناء العربي، وفاتن حمامة سيدة الشاشة العربية، وطه حسين عميد الأدب العربي، بل إن البابا شنودة الراحل كان يحمل لقب بابا العرب.

لم يعد أحد يلحظ، وهو يشاهد مسلسلات رمضان هذا العام أن إياد نصار ومنذر رياحنة أردنيان من أصل فلسطيني وكذلك الممثلة صبا مبارك، بينما جمال سليمان وسلافة معمار وسوزان نجم الدين ورانيا الملاح من سوريا، وهند صبري وسناء يوسف وفريال كامل ودرة من تونس، وغيرهم. لا أحد صار يفتش في جوازات السفر، وأظن الأمر سيكون نفسه مع مقدمي البرامج التلفزيونية.

المعادلات الاقتصادية هي التي فرضت تلك الحالة من الانصهار بين كل العناصر العربية، وكل المحاولات السابقة التي سعى فيها عدد من المسؤولين العرب في وزارات الثقافة لتقديم أعمال فنية مشتركة جاءت نتائجها في الغالب مخيبة للآمال، فقد قدم اتحاد الفنانين العرب قبل عشرين عاما مسرحية اسمها "واقدساه" ضمت فنانين من كل العالم العربي، ولكن العمل لم يرسخ في الذاكرة برغم حرص الاتحاد على أن يجوب به عدة دول عربية.

وفي عام 1995 أصدر وزيرا  الثقافة فى مصر وسوريا  "فاروق حسنى" ونجاح العطار" قرارا بإنتاج فيلم مصري سوري مشترك وتعثر المشروع طوال هذه السنوات!!

الفنان العربي ليس مضطرا في كل الأحوال لأداء اللهجة المصرية، فبعض المسلسلات تكتب وفي ذهن صناعها أن الممثل يؤدي باعتباره عربيا، مثلا في مسلسل "الخواجة عبد القادر" عدد من الفنانين السودانيين يشاركون يحيى الفخراني البطولة لأن جانبا من أحداث الحلقات الأولى تجري في السودان.

لا أعتقد أن هذا الحضور العربي على الشاشة المصرية سيبقى مقتصرا فقط على مسلسلات رمضان، فمقدمو البرامج ستستمر برامجهم على امتداد العام، كما أن هناك توجها في الإنتاج الدرامي لكي يصبح لدينا أكثر من موسم درامي. والبقاء سيبقى دائما للأصلح، بعد أن وضعت الفضائيات قانونا جديدا أسقط قوانين التلفزيون الأرضي، فصارت الشاشات العربية كلها تتكلم عربي. 

المصدر : الجزيرة