إذا كان البعض يبدي نوعا من الدهشة حيال فوز رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل بجائزة نوبل بالآداب عام 1953 فإن الكاتب البريطاني بيتر كلارك يكشف بكتابه الجديد "مهنة السيد تشرشل.. رجل دولة وخطيب وكاتب" كيف أن ثعلب السياسة البريطانية وأحد صناع التاريخ الكبار كان كاتبا كبيرا وقد آمن بأن "الكلمة هي الشيء الوحيد الذي يبقى للأبد".

فتشرشل الذي تعددت مواهبه وقدراته ما بين رجل الدولة والخطيب المفوه والكاتب، كانت علاقته مع الكلمات بالغة الحميمية والخصوصية حتى أنه اعتبرها الضمانة التي تكفل خلوده، كما يوضح هذا الكتاب، وهذا السياسي الداهية الذي قاد بلاده للنصر بالحرب العالمية الثانية كان بالفعل كاتبا كبيرا كما يصفه دافيد رينولدوز في سياق تناوله بصحيفة غارديان لهذا الكتاب الجديد بأنه "صائغ في مملكة الكلمة".

ولعل خطبه التي كان يكتبها ويلقيها بالأيام العصيبة التي مرت بها بريطانيا أثناء الحرب الكونية الثانية والغارات الجوية الألمانية الكاسحة على لندن تبرهن على أن تشرشل جمع ما بين السياسي الداهية والأديب الموهوب الذي خلص لأن الكتابة هي سبيله للخلود، بينها خطبته الشهيرة التي يخاطب فيها البريطانيين بقوله "ليس لدي ما أعطيه لكم غير العرق والدم والدموع  والنصر.. النصر بأي ثمن.." وكانت كلمات تشرشل وخطبه تلهم البريطانيين وتحثهم على الصمود.

وينقل هذا الكتاب الجديد عن ونستون تشرشل قوله "إنني أهوى ببساطة كل ماهو متقن وذوقي يتجه دوما نحو الأفضل.. والأفضل يكلف كثيرا" بينما يؤكد المؤلف أن هذا الذوق الرفيع للسياسي البريطاني الشهير شمل مختلف مناحي حياته وكلفه بالفعل الكثير حتى على مستوى نفقاته المالية التي كانت تتجاوز أحيانا راتبه الأمر الذي كان يثير انزعاج واستياء زوجته كليمنتين.

وكانت ثلاثينيات القرن العشرين من أكثر العقود التي عكف فيها تشرشل على الكتابة بل إن بعض كتبه التي حققت مبيعات كبيرة ساعدته في التغلب على مشاكله المالية وتغطية نفقاته الكبيرة. غير أن نهاية هذا العقد التي شهدت اندلاع الحرب العالمية الثانية وتصاعد الخطر النازي الألماني ومسؤولياته السياسية أرغمت تشرشل على أن يتوقف إلى حد كبير عن ممارسة عشقه للكلمة المكتوبة وتأليف الكتب.

وما إن جاء عام 1940 حتى أصبح الزعيم النازي أدولف هتلر هو الشغل الشاغل لونستون تشرشل بينما بات توقفه الاضطراري عن الكتابة سببا هاما يضاف لأسباب كراهيته لهتلر.

وواقع الحال أن بيتر كلارك أولى اهتماما ملحوظا بهذا الكتاب الجديد والمحكم بالمسيرة الأدبية لأحد أشهر رؤساء الحكومات البريطانية بالتاريخ، بينما يكشف عن مثابرة بحثية لافتة لتشرشل وسط همومه وشواغله المتعددة حتى أن الأمر استغرق منه قرابة ربع قرن من الزمان، لينتهي من كتاب له بعنوان "تاريخ الشعوب الناطقة بالإنجليزية".

ومن هنا يقول المؤلف بيتر كلارك إن مهنة تشرشل كانت الكتابة أما وظيفته فكانت السياسة، بينما شكل اهتمامه غير العادي باللغة الإنجليزية ودورها بالعالم جانبا هاما من تفكيره وتوجهاته على صعيد السياسة الخارجية.

المصدر : وكالة الشرق الأوسط