دعوات عديدة بمواقع التواصل أطلقت لمقاطعة الأعمال الدرامية السورية (الجزيرة)
مها حسن-باريس
 
تجسدت تابوهات الكتابة العربية تاريخيا في ثلاثي الجنس والدين والسياسة، لكن يبدو أن الثورات العربية الأخيرة قلبت بعض مفاهيم الرقابة الذاتية والرسمية، فتحوّل ما كان محظورا من قبل إلى مرغوب اليوم، خاصة على الصعيد السياسي، بينما ازداد المحظور السابق كثافة في سياقات أخرى، وبرزت الدعوات لمقاطعة بعض الأعمال الإبداعية كأداة للرقابة الشعبية.
 
وفي إطار هذه التحولات فإن ما شهدته التجربة المصرية هو إعادة تكثيف المحظور الديني في الأدب، عبر مساءلة نجيب محفوظ مجددا كأحد الأمثلة، الأمر الذي أدى إلى بروز مخاوف من تراجع مستوى حرية الإبداع عبر ربطه بالرقابة الدينية.
 
غير أنه من ناحية يمكن وصفها بالانقلابية، انبثقت في البلاد المحكومة بقبضة حديدية -والتجربة السورية خير مثال- قاعدة عكسية تفيد بأن الأدب الذي كان محظورا لأسباب سياسية، أصبح الآن في صدارة الاهتمامات وارتخت القبضة عليه بشكل كبير.
 
سقوط التابو السياسي لن يُسقط بسهولة قواعد التابو الجنسي والديني، خاصة ضمن المخاوف الواردة لتصدّر الفكر الديني للمواقع الحاكمة
متغيرات ثورية
فالأدب السياسي الذي كان يُنشر خارج سوريا ويُعرّض صاحبه لمخاطر الملاحقة الأمنية والاعتقال، يُعتبر اليوم بمثابة أدب من الدرجة الأولى تنتظره اليوم دور النشر العربية أو الغربية، وتتهافت لالتقاط أي كتاب عن الثورة السورية، أو عن تفاصيل الحياة في سوريا تحت حكم نظام البعث.

والكاتب السوري الذي كان يمارس رقابة تلقائية على أدبه حتى يرى النور -إذ من البديهي أن يكتب لينشر لا ليمنع من النشر- يتحرر اليوم من تلك الرقابة بطريقة جذرية، حتى تكاد تكون المواضيع التي شكّلت تفاصيل رقابته الذاتية، هي اليوم المواضيع الأجدر بالنشر.

وربما سيصبح الحديث عن تابو الكتابة السياسية والخوف الأمني، أحد مصادر الإبداع القادمة. ومع أن النظام في سوريا لم يسقط نهائيا، فإنه سقط في داخل الكثير من الكتّاب الذين صاروا اليوم يجاهرون بالكتابة عن الوضع السياسي القمعي في البلاد، ويتحدثون عن رموز النظام بعد أن كانوا يمشون ملتفتين خلفهم خوفا من الرقابة.

ومن المتوقع أن يُنتج الأدب السوري في مرحلة ما بعد سقوط النظام، أدبا رفيعا ينبثق من السيَر الذاتية السياسية، إذ إن قلة من الكتاب  لم تتعرّض لقمع النظام وملاحقته ورقابته. وما يُنشر منذ عام ونصف تقريبا لأسماء معروفة سابقا، ولأسماء "ناشطة" سياسيا، راحت تدوّن بعضا من سيرتها السياسية، أو سيرة العائلة -كما فعلت الطبيبة المعتقلة سابقا والمقيمة حاليا في فرنسا فاديا لاذقاني- يوحي بإمكانيات نشوء أدب جديد خارق للرقابة السابقة ومنقلب عليها، ومطلوب بشدة بوصفه شهادات إبداعية وسياسية معا.

في ليبيا تغير الأمر أيضا، وها هو الروائي إبراهيم الكوني -وللمرة الأولى- يشيطن القذافي في روايته الجديدة "فرسان الأحلام القتيلة" الصادرة في طبعتين عن دار الآداب اللبنانية ومجلة دبي الثقافية، ويتحدث فيها عن الأيام الأخيرة للنظام الليبي، وهي تستمد أحداثها من أجواء "الربيع العربي".

لكن هذه المتغيرات التي تشير إلى تراجع سلطة الرقابة لا تعني انطلاق حريات الإبداع، إذ إن سقوط التابو السياسي لن يُسقط بسهولة قواعد التابو الجنسي والديني، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة حول تصدّر التيارات الدينية للمواقع الحاكمة.

وفي ما يتعلق بكتابة المرأة -وهذه نقطة يجب الاهتمام به- فثمة أيضا تخوف حقيقي على أدب المرأة الذي بلغ مرحلة متقدمة في المشرق العربي بسوريا ولبنان ومصر والأردن، بل وصارت تجربة الكتابة النسوية في الخليج والمنفلتة من قواعد الرقابة المحلية، أحد أنواع الكتابة المطلوبة والرائجة، رغم قيود الرقابة الدينية والسياسية في أغلب تلك البلدان التي روّجت فيها المرأة لأدب ملفت للنظر، لا من حيث القيمة الفنية، وإنما من حيث خرق التابو.

حملات المقاطعة رقابة جديدة أفرزها الربيع العربي وفق مواقف سياسية وأخلاقية تحدد موقف الشعب ممن وقف معه أو ضده في معركته من أجل الحرية

المقاطعة رقابة جديدة
ولكن خلل الرقابة وقواعدها الجديدة المتمثلة في خلفيات أخلاقية يفرضها الشارع، هي ظاهرة جديدة أيضا، فكما تُحدث الكتابة الإبداعية قوانين معاكسة لتمجيد الأدب السياسي، وأدب الاعترافات السياسية، وأدب السجون، بل وربما ذات يومٍ أدب المجازر التي تُعدّ أيضا ظاهرة استثنائية في سوريا، فإن الدراما السورية مهددة برقابة معاكسة، رقابة الجمهور.

يمكننا الحصول على كثير من الأمثلة لحملات ومطالبات أطلقها مواطنون وفنانون سوريون مطالبين بمقاطعة الدراما السورية، منهم رسام الكاريكاتير السوري المعروف علي فرزات الذي تعرّض للضرب المبرح بسبب رسوماته ومواقفه، إذ وجه على صفحته في الفيسبوك "رسالة مفتوحة" يدعو فيها السوريين إلى مقاطعة دراما "الشبيحة"، مرفقا رسما كاريكاتيريا خاصا بالمقاطعة.

بالإضافة إلى شعور بعض فناني الدراما السورية بالظلم والغبن، أولئك الذين أعلنوا انضمامهم إلى الثورة فاضطروا إلى مغادرة البلد حفاظاً على أمنهم، هؤلاء الذين يمكن تسميتهم "فنانون في المنفى"، يحسّون بما يشبه الخديعة، حيث هم يشتغلون على خط الثورة، ويعاني الكثير منهم من ظروف معيشية صعبة، بعد أن كانوا مرتاحين أو مرفّهين في سوريا.

وفي المقابل يشتغل زملاؤهم في المهنة فيصوّرون ويحصلون على الأجور العالية، وكأنه لا شيء يحدث في سوريا، وكأن أصوات الرصاص والقصف المرافقة لحركة الممثلين والمصوّرين ليست بذات أهمية، والدم النازف مجرد ديكور لا أكثر!

ومن هنا يمكن اعتبار حملات المقاطعة رقابة جديدة أفرزها الربيع العربي، وفق مواقف سياسية وأخلاقية تحدد موقف الشعب ممن وقف معه أو ضده في معركته من أجل الحرية، وهي رقابة جديدة خارجة عن المؤسسة التي اعتدنا انفرادها باستصدار أحكام الرقابة.

المصدر : الجزيرة