أمير تاج السر
 
لا شك أن محاورة مبدع ما، في شتى مجالات الإبداع الكتابي أو الفني، عن تجربته، تعد من المسائل الحيوية، وهي أيضا جزء هام من عمل الصفحات الثقافية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تهتم بالثقافة في أي مكان.

أن تستضيف ذلك المبدع، وتطرح عليه عددا من الأسئلة التي من المفترض أن يجيب عليها بكل نزاهة وتجرد، توضح نقاطا معتمة في تجربته، ربما يحتاجها قارئه من أجل الدخول إلى تلك التجربة، أو يستخدمها الناقد والدارس حين يتناول بالتفصيل عملا لذلك المبدع.

وهناك كتاب كثيرون أجادوا فن الإجابات على محاوريهم تماما كما أجادوا الكتابة، ولم تخل حواراتهم من متعة يمكن أن تشد القراء إليها كما تشد القصيدة الجيدة والرواية المكتوبة بإتقان. وقد ترجم الروائي الأردني إلياس فركوح حوارات مع كتاب مثل ميلان كونديرا وخوان غوتسيلو وآخرين، ضمنها في كتاب هام تحدث فيها هؤلاء عن تجاربهم وطقوس الكتابة عندهم ومواقفهم السياسية والإنسانية إزاء القهر والظلم، وآرائهم في توظيف الجمال والفن في ما يكتبون.

هناك كتاب كثيرون أجادوا فن الإجابات على محاوريهم تماما كما أجادوا الكتابة، ولم تخل حواراتهم من متعة يمكن أن تشد القراء إليها، كما تشد القصيدة الجيدة والرواية المكتوبة بإتقان

وأعتبر ما قدمه فركوح من الكتب التي يمكن قراءتها بنفس المتعة التي يقرأ بها العمل الأدبي لهولاء، ذلك أن الإضاءة داخلها كانت باهرة، والعوالم التي لا نستطيع الإمساك بها كاملة داخل النص الإبداعي، يمكن أن تأتي كاملة هنا.

وكما فعل فركوح فعل آخرون، غالبا من محرري الصفحات الثقافية المتميزين، حين وضعوا حواراتهم التي أجروها مع مبدعين على مدى سنوات داخل كتب ليسهل اقتناؤها ومن ثم قراءتها. ومن هؤلاء الصحفي السعودي طامي السميري الذي نشر مؤخرا كتابا جميلا عن حواراته مع المبدعين، ضم كتّابا من أجيال عربية مختلفة ومدارس متعددة.

على أن تلك الحوارات رغم فائدتها الكبرى التي ذكرتها، يجب أن لا تكون شغلا شاغلا للمبدع، يلهيه عن عمله الأصلي وهو الإبداع، بمعنى أن يتأنى المبدع كثيرا قبل الموافقة على إجراء أي حوار، ولا يستجيب إلا لتلك الحوارات التي تعد إعدادا جيدا من محاور ينبغي أن يكون ملما إلماما كاملا بتجربة الكاتب، قبل أن يدخل معه في حوار.

فالحوار الناقص أو الحوار الذي يعد من السمع فقط، ومن قراءة أخبار هنا وهناك عن الكاتب، دون قراءة نصوصه، يؤدي بلا شك إلى تشويه التجربة، ويمكن أن يحس الكاتب -ومعه القارئ أيضا- بالسأم من تكرار أسئلة بعينها، والمشي على طرق معبدة سلفا، لا تؤدي إلى جديد يستهوي أو يشد.

وفي تجربتي الخاصة على مدى العامين الماضيين، لا يمر يوم دون أن أجد أسئلة في بريدي تبحث عن أجوبة، ورجاءات بالموافقة على إجراء حوارات، أو أعثر في كثير من الأحيان على تجميعات من حوارات سابقة، وأسئلة لم تطرح علي من قبل، تمت الإجابة عنها نيابة عني ووضعت في الصحف، سواء تلك الورقية منها أو الإلكترونية، ونتيجة لتلك الضغوط، لم أعد أجد وقتا للكتابة، لا أستطيع التفكير بصفاء، ولا أستطيع أن أعثر على بداياتي ونهاياتي، ونصوصي التي أحب كتابتها، وتحب هي أن أكتبها، رغم كل ما نسببه لبعضنا من كآبة.

ما انطبق علي، ينطبق على غيري من الكتاب الذين تم إشغالهم أيضا في حوارات مكثفة، وبعضها غير مدروس أبدا، مثل محاورة قدمتني مرة في برنامج إذاعي بصفتي كاتبا لمائتي رواية، وبالطبع لا يمكن لأحد أن يكتب هذا العدد من الروايات، حتى لو عاش أضعاف عمره، وهذه المحاورة بالقطع لا تعرف عن تجربتي شيئا، ولا أتوقع أنها سمعت باسمي قبل أن تجري ذلك الحوار الذي لم يخل من الأسئلة المعتادة التي أجبت عليها عشرات المرات من قبل.

أيضا أخبرني أحد الزملاء الروائيين أنه تلقى حوارا من صحفي يسأله عن أعمال كاتب آخر، وطقوس كتابتها، وكيف استوحاها، ورسم شخصياتها، باعتبارها أعماله هو. ولو كانت تلك المحاورة أو الصحفي الذي أرسل الحوار لزميلي مهمومين بالثقافة بالفعل، وليس مسألة أداء عمل روتيني، لكان الحواران مثمرين بكل تأكيد.

الكاتب الكبيرالطيب صالح كان يحب الكتابة ليلا، في مكان شبه مفتوح، وبأقصى درجة من التوتر

أيضا ثمة خلط كبير في أسئلة المحاورين، بين ما هو خاص بالتجربة الكتابية عموما وما هو خاص بالسيرة الذاتية التي ربما لا يريد الكاتب أن يزيح عنها الغطاء لاعتبارات شتى، ربما باعتبارها لا تهم أحدا، أو تؤدي إلى إشكالات لا يود الكاتب أن يخوض فيها في الوقت الحاضر.

وشخصيا ورغم تورطي في الإجابة عن أسئلة شديدة الخصوصية من قبل، فإنني طالما تمنيت أن أسأل عن تجربتي في الكتابة فقط، من أين آتي بالنصوص، والشخصيات، دون التدخل في تلك الطرق التي سلكتها حتى أصبحت هدفا للحوارات. هذا يمكن أن أكتبه في سيرة ذاتية، إذا ما قررت كتابة سيرة ذاتية ذات يوم.

بالنسبة لطقوس الكتابة عند أي كاتب، هذا شيء مهم يغفله معظم المحاورين، وفي رأيي أن طقوس  الكتابة لدى كل من يكتب، لا تخلو من الطرافة والإمتاع أيضا، إذا ما ألقي عليها بعض الضوء. هناك من يكتب في الأمكنة المغلقة الهادئة، كمن يحافظ على سر، وهناك من يكتب في المقاهي، وفي أركان الشوارع الضاجة، وهناك من يكتب نهارا ومن يكتب ليلا، ومن لا يكتب إلا في ساعة التوتر القصوى، ومن يكتب ساعات محددة في اليوم، وفي فصول محددة من السنة، ومن يكتب في أي زمن وأي ساعة يعثر فيها على كتابة، وهكذا.

وقد ذكر لي الكاتب الكبير الطيب صالح أنه كان يحب الكتابة ليلا، في مكان شبه مفتوح، وبأقصى درجة من التوتر. وقد كتبت من قبل عما يمكن أن نسميه أماكن الإلهام، وهي أماكن يقترحها الكاتب لنفسه، ويتوهم أن لا كتابة ستأتي إلا فيها، وفي الغالب لا يكون الأمر حقيقيا، ولكن مجرد إيحاءات نفسية، تمنح تلك الأماكن قامات أعلى منها، وتلبسها قداسة لا تملكها حقيقة، لأن ذلك الكاتب يستطيع أن يكتب إن كان لا بد أن يكتب، في أي مكان آخر بعيد عنها.

أخلص إلى أن الحوارات مع المبدعين شيء لا بد منه، من أجل أن تكتمل التجربة الإبداعية، ومن أجل أن يلم بها القارئ المهتم، والدارس للمبدع، والمبدع نفسه حين يقيم حوارا أجراه، ويضيف بعض نقاطه إلى تجربته. ولكن أصر أيضا على وظيفة المبدع الأولى، وهي الإبداع بعيدا عن الضغوط الحوارية المكررة التي تستهلك وقته، وربما تحوله بمرور الزمن، إلى وجه كئيب مكشوف، لا يود أحد مطالعته، أو قراءة إجاباته المكررة.

المصدر : الجزيرة