إحدى لوحات الغرافيتي التي عرضت في المهرجان (الجزيرة)
بدر محمد بدر-القاهرة
 
لم تكن ثورة 25 يناير انتفاضة على السائد والمذموم على الصعيد السياسي والاقتصادي، بل أيضا على نخبوية الفن التشكيلي في بعض وجوهها، حيث أنتجت أشكالا من التعبير الفني الشعبي الذي نفس عن المكبوت لعقود، ورسخت فنا جديدا هو "الغرافيتي"، فكانت لوحات فنية على الجدران وفي الشوارع تحمل رسائل وشحنات ثورية معبرة.
 
فن الغرافيتي رافق الثورة المصرية منذ بداياتها كحامل فني لهموم المصريين وتطلعاتهم ولحظتهم الثورية الاستثنائية، ولم تخل الفضاءات التي تجمع فيها الثوار من ميدان التحرير بالقاهرة وميدان القائد إبراهيم بالإسكندرية وجدران الجامعات والمعاهد المصرية والبنايات الحكومية والكباري وأماكن أخرى، من رسوم وتعبيرات كانت في بدايتها بسيطة ومباشرة في طرحها، لتتحول لاحقا إلى أعمال فنية بحسن راق.
 
رسم غرافيتي يعبر عن مشاركة الجميع في ثورة الحرية والكرامة (الجزيرة)
مهرجان للغرافيتي
وفي سياق الاهتمام بهذا النمط الفني، الذي ارتبط بالثورة شاركت مجموعة من شباب الفنانين التشكيليين في أعمال الدورة الرابعة لمهرجان الغرافيتي، تحت عنوان "لون..وجدار..وفكرة"، بمركز محمود مختار الثقافي بالقاهرة.
 
الأعمال المشاركة في المهرجان هي نتاج ورشة عمل، انطلق فيها الفنانون بحرية في طرح أفكارهم واختيار اللون والتقنية، ويملك كل منهم ألوانه وجداره وفكرته، ليعبر بها عن ذاته ووجهة نظره الخاصة به، ودارت الأعمال حول محوري: الثورة والهوية المصرية.
 
وقالت هبة سيف الدين مديرة مركز محمود مختار الثقافي إن فن الغرافيتي بوصفه وسيلة للتعبير والاحتجاج انتشر بقوة بالتزامن مع الثورة المصرية. ولفتت إلى أن الأعمال عكست تفاعل الشباب مع الأحداث السياسية المحيطة بهم، وقد هيمنت روح التفاؤل والحلم على عدد من إبداعاتهم.
 
وأضافت في حديثها للجزيرة نت أن أعمال محور الثورة شارك فيها 90% من الفنانين الثوار، الذين أبدعوا جدارياتهم بميدان التحرير والشوارع المحيطة به، وهم يمارسون فن الغرافيتي بشكل تلقائي ومنظم، من خلال ورش عمل ميدانية مستمرة، ومنهم محترفون وهواة.
 
وعلى جدران الحديقة الثقافية بالمركز وعلى طول 50 مترا، أنجز الفنانون إبداعاتهم ضمن محور "الثورة" بمعناها الواسع، وكان نصيب كل فنان فيها 2.5 متر. وتناولت أعمال المشاركين ضمن محور "الهوية المصرية" على جدران قاعة إيزيس، التأصيل التاريخي للثورة المصرية عبر الحقب المختلفة.
 
جانب من إبداعات فناني الغرافيتي في المهرجان الرابع (الجزيرة)
توثيق الثورة
ويقول الفنان أحمد بيرو نائب رئيس اتحاد فناني الثورة رئيس جمعية "فنية مصرية" للجزيرة نت إنه عايش الثورة منذ بدايتها بميدان التحرير، وكان يستخدم مع زملائه أسلوب الرش للتعبير عن الأحداث على جدران الشوارع، واشترك في تجهيز جدارية "حكاية ثورة" بالمركز الثقافي، وهي الأولى عقب تولي الرئيس محمد مرسي ومهداة لشهداء ثورة 25 يناير.

واقترح بيرو أن تجمع هذه الجداريات بمعرض لتوثيق الثورة بنمط الغرافيتي، وأن تضم الأعمال جميعها بمتحف للثورة. وتشارك الفنانة ريهام السنباطي بمقطع عن الشهيد خالد سعيد، ورسمته داخل طابع بريد، لتمجيده مثل الملوك والرؤساء والمشاهير، بوصفه مفجر الثورة المصرية ورمزها، ويحيطه حروف الخط العربي رمز الأصالة والهوية.

ويرى الفنان علي ناصر أن فن الغرافيتي هو فن التعبير الحر التلقائي والسريع بالشوارع وعلى الجدران، ويعد أهم فنون الثورة، حيث ينسخ سريعا هربا من الملاحقة الأمنية. وشارك ناصر في المهرجان بتصميم عبارة عن حصان أبيض جامح يرمز للثورة المصرية البيضاء السلمية والقوية والحالمة أيضا.

ولفت الفنان آدم بدوي في حديثه للجزيرة نت إلى أن فن الغرافيتي هدفه توصيل رسالة عاجلة مكتوبة بسرعة وبوضوح لا تشتت المتلقي ولا يكتنفها الغموض، ويشعر فيها الفنان بأن الشارع ملكه. وأشار إلى أن هذا الفن يرتبط تاريخيا بالثورات، مثلما حدث في كوبا ورومانيا، وقد ازدهر في مصر بقوة مع ثورة يناير، وجاءت أعماله في المعرض ثورية وساخنة، اتجهت تدريجيا للتفاؤل رغم الصعوبات.

من جهتها شاركت الفنانة منة رمزي عضو جمعية "فنية مصرية" بجدارية "حكاية ثورة" رسمت فيها الملكة نفرتيتي بهدف ربط الماضي بالحاضر بموتيفات فرعونية وتراثية وصور شهداء التحرير، وحولهم نهر النيل والمراكب والمساجد.

المصدر : الجزيرة