طارق الشناوي

"المحمول" هو الشاشة الرابعة، التي تبدو الآن مثل جنين لم تتضح ملامحه بعد، لكن من المؤكد أنه على وشك أن يبدأ بقوة رحلته مع الحياة، فهو قادم لا محالة لمنافسة الشاشات الأخرى، ومنذ سنوات تقام عدة مهرجانات لأفلام المحمول في العالم أحدها في القاهرة.

ومنذ الإعلان عن إقامة مهرجان القاهرة للأفلام المصورة بكاميرا المحمول بدأت إدارة المهرجان الذي تشرف عليه إسعاد يونس، ويرأسه المنتج حسين القلا، مع لجنة التحكيم إياد نصار وبسمة والكاتبة مريم نعوم في تلقي الأفلام، لتعلن النتائج في النصف الثاني من سبتمبر/أيلول.

الشاشات الثلاث السابقة للمحمول، وهي السينما والتلفزيون والكمبيوتر أحدثت ثورة في حياة المجتمعات. السينما التي بدأت عام 1895 غيرت حياة الناس، والتلفزيون الذي بدأت تجاربه الأولى أثناء الحرب العالمية الثانية كان له أثر عميق، ووقتها شعر صانعو السينما بالتهديد أمام هذا الوليد القادم بإمكانياته الهائلة.

عندما عجزت كاميرات التلفزيون عن الدخول إلى الأراضي الليبية والسورية لعبت كاميرات الهواتف المحمولة دورها فى نقل ما يحدث، ولا تزال ومضات كاميرات المحمول تشكل أمضى الأسلحة في نقل ما يجرى للفضائيات

لكن السينما طورت نفسها على مستوى التصوير ودور العرض والأفكار والتقنيات المختلفة، ولهذا شاهدنا الشاشات العريضة والألوان والصوت المجسم والصورة المجسمة وسينما الأبعاد الثلاثة، وحاليا هناك تجارب متعددة لتقديم سينما البعد الرابع، حيث تلعب حاسة الشم أيضا دورها. كل ذلك من أجل إقناع المشاهد بمغادرة منزله تاركا الشاشة الثانية  التلفزيون ليعود إلى الشاشة الأم، التي تقدم له ما يعجز عنه التلفزيون.

الأقمار الصناعية لعبت أيضا دورها في رفد قوة الشاشة الثانية، وازداد سقف الحرية بالانتشار الفضائي، لكن ظل للسينما أيضا جاذبيتها.

الكمبيوتر الشاشة الثالثة يتميز بنوع من الفردية في التلقي، فإذا كانت السينما جماعية في مشاهدتها ومع جمهور متنوع المشارب، فإن التلفزيون تكون حدوده الأسرة، ويأتي الكمبيوتر بتلك النزعة الفردية، التي تحيل العالم إلى فرد واحد والفرد إلى عالم متعدد.

شاشة المحمول أكثر ذاتية وخصوصية، وهي شاشة قابلة للتطوير السريع مع التقدم التكنولوجي، الذي يراهن كل يوم على إضافة أكثر طموحا. وقبل ثورات الربيع العربي لعب المحمول دورا محوريا في نشر لقطات عن تعذيب للمواطنين فى مصر، واستطاعت كاميرات الهواتف أن تلعب دورها فى التمهيد للثورة، لأنها كانت كثيرا ما تفضح ما يجري داخل أقسام الشرطة. وأسهمت هذه اللقطات في تحريك جهاز الشرطة للتحقيق في أكثر من واقعة، اتهم فيها أفراد وضباط الشرطة بالفساد.

وعندما عجزت كاميرات التلفزيون عن الدخول إلى الأراضي الليبية والسورية لعبت الهواتف بحجمها الصغير أيضا دورها في نقل ما يحدث، ولا تزال ومضات كاميرات المحمول تشكل أمضى الأسلحة ضد التعتيم الإعلامي ونقل ما يجرى للفضائيات.

أشهر تسجيل هاتف محمول على مستوى العالم هو لقطات إعدام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ولولا المحمول ما كان من الممكن أن تحتفظ الذاكرة البصرية بتلك اللقطات، لكن كاميرا المحمول كما يبدو حتى الآن هي كاميرا إخبارية وليست إبداعية، وهذا هو منطق وقانون أي إبداع في بداياته.

مخترعا السينما، الأخوان لوميير "لويس وأوغست"، لم يقدما في البداية إبداعا، ولكن مجرد صور متحركة لخروج العمال من المصنع أو انطلاق قطار من محطته، فالإضافات الإبداعية جاءت لاحقا، مع ظهور اللقطة القريبة والمونتاج ثم إضافة الخيال على الصورة، مثل تلك الإضافات التي صاغها "جورج ميليس"، وهو ساحر فرنسي قرر أن يحيل السينما إلى لعبة سحرية، وقدم عام 1903 فيلمه "الصعود إلى القمر".

الإبداع الفني لا يقوم على امتلاك جهاز هاتف محمول المهم ما الذي يقدم عبر شاشته الرابعة، ومدى خضوع ما تلتقطه عين الفنان لقاعدة إبداعية

مهرجان أفلام المحمول عرفته مصر لأول مرة عام 2007، ولم تكن الأفلام المقدمة ترقى إلى ما يمكن أن نطلق عليه إبداعا. في لجنة التحكيم، حيث كنت مشاركا، شاهدنا حوالى مائة فيلم من بين ألف تقدمت للمهرجان. كانت هناك بالفعل محاولات لتقديم رؤية، تحمل قدرا من التعبير الدرامي أقرب إلى الفيلم القصير، وهناك خطوط درامية يحتويها زمن الفيلم بما لا يتجاوز ثلاث دقائق ونصفا، أما في مهرجان هذا العام فقد تقرر السماح للأفلام بالمشاركة حتى للأفلام التي تصل مدتها إلى 15 دقيقة، وربما تكون النتيجة أفضل.

في العديد من دول العالم، هناك مهرجانات لأفلام الهاتف المحمول، وبالطبع فإن المصور هو المخرج وهو أيضا الكاتب، وهذه التجارب قابلة للتطوير الذاتي. التجربة هي التي سوف تسمح بالتطور لتخلق من رحمها حالة أكثر نضجا وإمكانيات المحمول في التصوير لن تعرف مع الزمن حدودا.

خيال من يمسك بكاميرا المحمول سوف يتحرر من الأفكار المسبقة، وأفلام المحمول سوف تعثر على قواعدها الخاصة، صحيح أن المحمول في كل يد، بل إن في بعض الأيادي أكثر من واحد، إلا أن الإبداع الفني لا يقوم على امتلاك جهاز هاتف محمول، المهم ما الذي يقدم عبر شاشته الرابعة، ومدى خضوع ما تلتقطه عين الفنان لقاعدة إبداعية.

كان الكاتب الكبير عباس محمود العقاد يقول إن الفارق بين الفن واللافن هو تحديدا الفارق بين المشي والرقص. كل الناس يمشون كما يحلو لهم، لكن الرقص يشترط أن تضع القاعدة الإيقاعية. وكما أنه ليس كل من تحمله قدماه قادرا على الرقص، فإن من يقدم فيلم المحمول ليس من يمتلك الجهاز ولكن من يحيل الصورة إلى إبداع.

ولهذا بعد مرور خمسة أعوام على انطلاق أول مهرجان لأفلام المحمول في مصر، أتصور أن هذه الدورة سوف تحمل ما هو أفضل ليصبح المشي رقصا، ونرى شاشات المحمول وقد صارت ترقص إبداعا.

المصدر : الجزيرة