جدران شوارع مدينة أصيلة تتحول في الصيف إلى لوحات مفتوحة (الجزيرة)
نزار الفراوي-أصيلة
 
هي قصة مشروع ثقافي فريد من نوعه انطلق قبل 34 سنة في مدينة صغيرة شمالي المغرب تدعى أصيلة، وأصبحت مع توالي السنين مركز إشعاع فكري وفني عالمي، بفضل المبادرات التي أطلقها المشروع والشخصيات التي دأب على استضافتها والقضايا التي انكب على طرحها.
 
موسم أصيلة الثقافي الدولي -الذي أسدل الستار أمس على دورته الرابعة والثلاثين- طرح السؤال مجددا عن علاقة الثقافة بالتنمية، من وحي التجربة التي قادها وزير الثقافة والخارجية المغربي الأسبق محمد بنعيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، الذي أطلق المشروع عام 1978.

كانت البداية من الفن التشكيلي، عبر إرساء إطار للاحتفاء والتبادل الفني من خلال إقامات تشكيلية لفائدة فنانين مغاربة وأجانب، ليتخذ الموسم أبعادا أوسع، حولته إلى "عكاظ" متنوع الآفاق، بين ندوات فكرية، ولقاءات أدبية، وورشات للفنون الجميلة، وأمسيات موسيقية، على مدى ثلاثة أسابيع.

ورشة للفن التشكيلي في قصر الثقافة بمدينة أصيلة (الجزيرة)

صيت عالمي
وتماهت المدينة -التي يرجع المؤرخون منشأها إلى بناء قلعة رومانية قبل ألفي عام باسم "زيليس"- مع الطابع الذي أضفاه عليها الموسم، فاكتست جدرانُها ألوانَ الطيف، بجداريات تمتد على طول ممرها الساحلي الشهير المطل على مياه الأطلسي، وفتحت حدائقها لتخليد أسماء الشعراء الذين مروا بها.

وبدأت التجربة بحديقة الشاعر الكونغولي تشيكايا أوتامسي، لتعقبها حدائق الطيب صالح ومحمود درويش والشاعر المغربي أحمد عبد السلام البقالي، وآخرها حديقة باسم المفكر المغربي محمد عابد الجابري.

ولم يتخلف سكان أصيلة عن التطبع بحب الفن واعتناق حرفه المختلفة، إذ تنتشر في شوارعها وأزقتها مواهب متعددة لشباب يطلب رزقه بفنون متنوعة، بين رسامي البورتريهات، ومزخرفي المحارات، وناقشات الحناء، وفناني الخط العربي، وأصبحت الثقافة بكل تفرعاتها هوية مدينة.

ولا مجال للشك في أن الموقع السياسي الذي احتله صاحب المبادرة -الذي شغل مناصب هامة في الدولة من بينها وزارة الثقافة، ووزارة الخارجية، وسفارة المغرب بالولايات المتحدة- أعطى للموسم إشعاعا دوليا متناميا، بحيث استضاف شخصيات إقليمية ودولية بارزة، مثل الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي أنان، والرئيس البرتغالي ماريو سواريش، ورئيس الوزراء الإسباني ثاباتيرو، ووزراء خارجية أفارقة وأوروبيين وعرب، وباحثين وأدباء ذوي صيت قاري وعربي.

وبغض النظر عن تباين وجهات النظر بشأن الإضافة الحقيقية لهذا المشروع، فإنه يظل مبادرة رائدة في مستوى تحويل جغرافية مجهولة إلى عاصمة ثقافية دولية، بات موسمها تجربة مطروحة للاستلهام، حيث ترغب هيئات قارية وعربية في نقل تجربة أصيلة إلى بلدان أخرى.

الدورة الحالية لموسم أصيلة الثقافي بدت أكثر انجرافا إلى الهواجس السياسية التي خلقها الربيع الديمقراطي، ولا سيما في تداعياته المغاربية

الثقافة والسياسة
لكن الإشعاع الدولي الذي يعتز به المنظمون لا يرضي بعض أبناء المدينة المغربية الصغيرة، التي ما زالت تعاني من ضعف البنيات الأساسية واستفحال ظاهرة البطالة، وإن كانت هذه القضايا ليست محصورة في أصيلة. وبالنسبة لهؤلاء، لم يكن للموسم انعكاس اقتصادي ملموس على حياتهم، وإن زاد بلا شك من الجاذبية السياحية الصيفية للمدينة، التي طالما حجبتها الشقيقة الكبرى: طنجة، عروس الشمال المغربي.

موسم أصيلة الثقافي، وإن كان قد ناقش على مدى دوراته السابقة قضايا متنوعة، توزعت بين عوالم الفكر والسياسة والأدب والعلاقات الدولية، خصوصا على محور الشمال/جنوب، إلا أن الدورة الحالية انجرفت أكثر إلى الهواجس السياسية التي خلقها الربيع الديمقراطي، ولا سيما في تداعياته المغاربية، فشكل البناء المغاربي الإقليمي المحور الرئيسي للدورة، وهو ما لم يشبع شهية عشاق الأدب والفن المعتادين على برمجة ثقافية إبداعية دسمة.

السياق الخاص فرض أجندة خاصة على الدورة الرابعة والثلاثين، فكان للسياسة نصيب الأسد، لكن لا يبدو أن الأمر انعطاف نهائي لمشروع حمل لواء ربط الثقافة بالتنمية وصنع له روادا ينتظرون صيف كل عام، ليحلوا ضيوفا على مجالس الفكر والأدب والفن. فقد كتب الكاتب والروائي التونسي حسونة المصباحي ذات يوم أن صيفه لا يبدأ إلا حين يحل بأصيلة.

المصدر : الجزيرة