أمل دنقل استلهم التراث العربي ليسقطه على الواقع في قصائد أبرزها "لا تصالح"
محمد الأصفر
 
29 عاما مرت على وفاة أمل دنقل (1940-1983) الشاعر الذي تميز بشكل واضح من بين أبناء جيله، وشق له دربا مختلفا، وضعه ضمن الشعراء الكبار الذين لن تجرؤ الذاكرة الشعرية على تجاهلهم، وهو شاعر الرفض والحرية الذي "قال لا في وجه من قالوا نعم"، وخاطب هؤلاء البسطاء والمهزومين "الذين يَعبُرون في الميدان مطرقين".
 
يبقى دنقل عازف الكمان في جوقة الشعراء الكبار، وصاحب البيان الشعري الشهير "لا تصالح"، تلك القصيدة التي ارتقت بكلمة "لا" إلى خانة الشعرية العالية، ليتغنى بها أبناء الوطن العربي حالما تفجرت ثورات، وليطوف الثوار حول "الكعكة الحجرية"، قلب ميدان التحرير بالقاهرة مترنمين بقصيدته "سفر الخروج"، التي تترجم تلك الكلمة السحرية بفاعلية، متحدية آلة الدمار، من نار وحديد وبارود وكلاب بوليسية ومدرعات تدهس من يقولها:

أيها الواقفون على حافة المذبحة
أشهروا الأسلحة!
سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحة.
والدم انساب فوق الوشاح!
المنازل أضرحة،
والزنازن أضرحة،
والمدى.. أضرحة
فارفعوا الأسلحة
واتبعوني!
أنا ندم الغد والبارحة
رايتي: عظمتان.. وجمجمة،
وشعاري: الصباح!

لم ينجر دنقل إلى الأحلام الطوباوية والميتافيزيقا والفنتازيا، ليسقطها على الواقع، كما فعل العديد من أبناء جيله الذين اعتمدوا على الإلياذة، وعلى كم هائل من أدبيات فلسفة وميثولوجيا الإغريق والرومان

دنقل، صاحب الوجه الأسمر والملامح الهادئة والعينين الوديعتين اللتين يملؤهما الدمع دون ضعف، يتعامل مع الكلمات بشاعرية منبعثة من مَلكة الألم التي يعيشها، والتي جعلته بين خيارين: إما أن يكون شاعرا أو أستاذا أكاديميا، فينحاز إلى الشعر ويترك الجامعة من العام الأول، ويلتحق بالعمل في قنا وفي جمارك السويس والإسكندرية. 

خاض صاحب "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" تجارب أكثر، واحتك بأناس مختلفين من عامة الشعب، حاملا معهم آلام الأمة العربية وضياع نصرها عبر معاهدات السلام المجحفة، متجرعا مرارة طعم النكسة عام 1967، لينعكس كل ألم عاشته البلاد والأمة في شعره، بل في حياته وجسده ونفسيته المرهفة، حيث عومل من قبل السلطات المصرية معاملة لا تليق بشاعر عربي كبير، بينما أغدقت بسخاء على آخرين.

لم ينجر دنقل إلى الأحلام الطوباوية والميتافيزيقا والفنتازيا، ليسقطها على الواقع كما فعل العديد من أبناء جيله، الذين اعتمدوا على الإلياذة، وعلى كم هائل من أدبيات فلسفة وميثولوجيا الإغريق والرومان، إنما تجاهل كل ذلك، وفضل أن ينهل من تراث أمته. لقد ترك الآخرين يتعقبون الأسطورة لدى الإغريق والرومان، وعاد حثيثا إلى التاريخ العربي باحثا في أساطيره ووقائعه،  ليقدم لنا قصائد من صلب الحياة لا تشعر سامعها أو قارئها أنه غريب عنها، بل يحس أنها معبرة عن آلامه وتطلعاته.

عاد إلينا من غوصه في بحر التراث العربي الذي قرأه طفلا في مكتبة أبيه الشيخ الأزهري، مثخنا بقصائد حملها المصريون والعرب على الأكتاف في مظاهراتهم وانتفاضاتهم التي لم تتوقف لتتوج بثورات مجيدة، ليجد نفسه مبكرا في مواجهة غير متكافئة مع السلطة، التي لم تتوان في رميه بمفترق طرق مؤلم.

فنيًّا، يمكننا القول إن ما ميز الشاعر أمل دنقل قدرتُه الإبداعية على المزج بين قوة القديم وفاعلية الحديث.. ثنائية القوة والفعل وما يقابلها من ثنائية القديم والجديد. كل تلك الأشياء انصهرت في شعره كرؤية معرفية عميقة استطاعت أن تخلخل السائد دون أن تتقاطع معه نهائيا، واستطاعت في الوقت ذاته فتح أفق حداثوي جديد يرنو إلى الأمام، حاملا معه تناقضات الماضي في توليفة مذهلة.

نزعة الرفض المتسربلة في قصائده لم تكن رفضا سلبيا محضا، بقدر ما كانت رفضا إيجابيا يسعى للتوليد والإنتاج.

كذلك يمكننا أن نلمس القدرة التنبؤية التي كانت إحدى سمات دنقل الشعرية، كما تجلت مثلا في قصيدة "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" أو قصيدة "كلمات سبارتكوس الأخيرة" التي صورت مدى الكارثة التي ستقبل عليها الأمة العربية في ظل السقوط المستمر لركائز القوة داخل المجتمع العربي:

معلق أنا على مشانق الصباح
وجبهتي بالموت.. محنية
لأنني لم أحنها حية!...

فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله.. غدا
وقبّلوا زوجاتكم.. هنا.. على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ها هنا.. غدا
فالانحناء مرّ..
والعنكبوت فوق أعناق الرجال ينسج الردى

نزعة الرفض المتسربلة في قصائد أمل دنقل لم تكن رفضا سلبيا محضا، بقدر ما كانت رفضا إيجابيا يسعى للتوليد والإنتاج

جمالية الكلمات الشعرية في قصائد دنقل، كانت ترتفع عن مجرد المشاهدة الفورية الممتعة إلى التأمل المعرفي المنتج، فقد تمكن دنقل من أن يحدث شرخا في القصيدة العربية، استطاع من خلاله كثير من الشعراء اللاحقين أن ينفذوا منه إلى أفق جديد ومتميز، فقلما نجد الآن شاعرا من شعراء التفعيلة لم يتأثر -ولو بقدر- بقصيدة أمل دنقل الرافضة المحتجة المتألمة.. فأمل هو صاحب كلمة "لا" الشعرية بامتياز.

الكلمة المعبرة عن السلام العادل، وغير الراضية بضياع حق المظلوم، أو سرقة ثورته أو دمه لأي سبب كان.. الكلمة التي تفرض عليك مواجهة الظلم، وعدم دس رأسك في الرمال.. "لا تصالح" القصيدة التي تحضر بقوة في كل أزمة يعيشها العالم أو الأمة العربية نتيجة ظلم الدكتاتورية أو الاستعمار:

لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..

ويواصل أمل زرع مبرراته كي يكون الإنسان شجاعا ولا يهاب شيئا من أجل الحرية:

لا تصالح.. ولو توجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيك
وكيف تصير المليك.. على أوجه البهجة المستعارة
كيف تنظر في يدي من صافحوك، فلا تبصر الدم في كل كف..
لا تصالح.. فليس سوى أن تريد
أنت فارس هذا الزمان الوحيد
وسواك المسوخ!
لا تصالح...

تمر السنوات، ويظل أمل دنقل صاحب الصوت الشعري الموسيقي والوجه الصعيدي الأسمر الطيب الذي لفحته الشمس، حاضرا في ملامحنا وفي أرواحنا.. هذا الشاعر الطيب الشفاف، الذي لم يواجه السلطة بتنظيم إرهابي، أو بأيدولوجية مستوردة من صقيع الشمال، أو بشعارات صاخبة معربدة جوفاء.

لقد واجه السلطة بالكلمة.. وكلماته التي ينفثها قلبه هي كل ما يملك من سلاح يدافع به عن الغير قبل نفسه، لذلك أشهرها في وجه الظلام، فجل قصائده الرائعة مرتبطة بأحداث سياسية مرت بالبلاد، أو مصائب وخيبات شخصية عاشها، حوّلتها ذاته بشاعريتها لتعبر عن الجميع كقصيدته "أوراق الغرفة 8" التي عبر فيها عن معاناته من مرض السرطان:

بين لونين: أستقبل الأَصدِقاء..
الذين يرون سريريَ قبرا
وحياتيَ.. دهرا
وأرى في العيونِ العَميقةِ
لونَ الحقيقةِ
لونَ تُرابِ الوطنْ!

عندما سألت شابا جامعيا التقيته في إحدى مكتبات القاهرة عن ما يمثل أمل دنقل وأشعاره في هذا الوقت بعد مضي 29 عاما على وفاته، أجاب "كان أمل دنقل يمثل صوت جيل من الشباب العربي إبان رحلة الكفاح ضد الاستبداد السياسي والفكري، وقصائده إنجيل الدعوة إلى اتخاذ المواقف".

أما الشاعر والناقد الليبي صالح قادربوه الذي بدأ بقصيدة التفعيلة وتحول لاحقا متحمسا إلى قصيدة النثر، فيرى أن شعر أمل دنقل فنيا ليس قويا جدا، لكن تأثير الأيدولوجية في شعره ساحر، وتلك مفارقة ومفاجأة، لكن الأهم هو بقاء أثره في أجيال بعيدة، وأن يكون هناك نقد موضوعي لجملة ما كتب، فهو كان صارما مع الظلم، وعلينا أن ننهج نهجه فنكون صارمين تجاه ما يكتب".
______________
كاتب وروائي ليبي

المصدر : الجزيرة