غلاف الترجمة الفرنسية لرواية المصري أحمد أبو خنيجر (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
لم تنل رواية الكاتب المصري أحمد أبو خنيجر "خور الجمّال" اهتماما لافتا من قبل النقاد العرب لدى صدورها عام ٢٠٠٨ عن دار "الهلال"، لكن ذلك لا يقلل من أهميتها البالغة، التي دفعت دار "أكت سود" الباريسية مؤخرا إلى إصدار ترجمتها الفرنسية ضمن سلسلة "سندباد" الشهيرة.

ولعل حبكة الرواية المعقدة وعدم اتّباع أبو خنيجر فيها عملية سرد تحترم التسلسل الزمني لأحداثها الغزيرة هما من الأسباب التي تفسّر إهمالها في عالمنا العربي، بدون أن تبرّره، فالتقنيات والمهارات الكتابية الموظّفة فيها هي ما يمنح نصّها كل قيمته الأدبية وحداثته.

وكما فعل في نصوصه السابقة، يواصل أبو خنيجر في هذه الرواية مشروعه الكتابي القائم على رصد عالم الصعيد في أقصى جنوب مصر بجغرافيته الخاصة وناسه وثقافته وتقاليده ومعتقداته. وفي هذا السياق، يروي قصة الفتى الصعيدي "عبد الله" الذي يرافق والده -قائد إحدى القوافل البدوية- في سفر داخل الصحراء فيتيه منه "جمل الماء" الذي كُلّف به، وتضل القافلة طريقها على مدى أيام بحثا عن الجمل الضائع، قبل أن تقع على خور أخضر يُنقذها من موت محتم.

وبعد الاستراحة ليلة في الخور، تتابع القافلة سفرها لكن بدون عبد الله، الذي يُجبره والده على البقاء في هذا المكان مع جَمَله الصغير للاعتناء بناقة جريحة ريثما تعود القافلة من رحلتها. وخلال انتظار والده الذي سيدوم إلى ما لا نهاية، يقطن عبد الله الخور فيستصلحه ويزرعه ويتزوج فيه ويربّي في أرجائه أولاده وأحفاده ضمن علاقة وئام وحسن جوار مع ساكنة الخور الأصلية، وهي أفعى عملاقة تؤدّي دورا رئيسيا في تسيير أحداث الرواية.

وداخل قصة عبد الله المثيرة نتعرف أيضا على قصة أولاده الذين سيتخاصمون فيما بينهم ويهجرون الخور، الواحد تلو الآخر. كما نتعرّف على قصة سكان القرية المحاذية للخور الذين يسكنهم خوف قديم من هذا المكان ومن الكائنات الأسطورية التي تقطنه ويتجنّبون لعنته بتجنبهم كليّا عبور حدوده، دون أن ننسى قصة ابنة الراعي، التي لن تتزوج من عبد الله إلا للانتقام من الجان الذي يقطن الخور والمتّهم بقتل والدها.

قصص كثيرة تتشابك داخل الرواية لتشكّل قصة واحدة يتداخل الواقع بالخارق فيها بشكلٍ يفضي إلى واقعية سحرية فريدة

غرائبية الواقع
قصص كثيرة تتشابك داخل الرواية، لتشكل قصة واحدة يتداخل الواقع بالخارق فيها بشكلٍ يفضي إلى واقعية سحرية فريدة لا تقوم على إضفاء بُعد أسطوري أو غير مألوف على الأمكنة والأحداث الواقعية بقدر ما تقوم على رصد غرائبية الواقع بذاته والأساطير الملازمة له، كما تشهد على ذلك القصص الخرافية المرتبطة بالخور، والتي يتناقلها أبناء القرية المجاورة له منذ زمن طويل وتجعل منه مرتعا خصيبا للعفاريت والجن والأفاعي.

ويمكن قراءة الرواية كاستعارة لقصة آدم وحواء. فإلى جانب مركزية الأفعى فيها، يرمز الخور إلى الأرض عامةً وعبد الله إلى آدم الذي أُخرج من الجنة بسبب ارتكابه خطأً فادحا. وما يعزّز هذه القراءة هو الإشارات الغزيرة إلى سفر التكوين والتوراة عموما داخل النص. لكن المثير في هذه الاستعارة الشاملة هو محاولة الروائي من خلالها تصحيح نظرتنا إلى الأفعى عبر تقديمها كجارة ورفيقة خيّرة لا تستقيم الحياة بدونها.

فالخور الذي يبقى عامرا وخصبا طالما أن عبد الله لم ينكس عهده القديم مع الأفعى، يتحوّل إلى أرضٍ بور فور تواريها، كما أن أحداث الرواية تبدأ مثلما تنتهي، أي برجلٍ يأتي من مكان مجهول محاط بهالة من نور لمنع أبناء القرية من قتل الأفعى. وبالتالي، لا تكمن اللعنة -وفقا لأبو خنيجر- في هذا الحيوان الذي يظهر في نصه كرمز للحياة والخصوبة، بل في قلّة تفكير الإنسان وميله إلى البقاء رهينة معتقدات قديمة تقوده إلى التحجر والانعزال في الزمان والمكان.

ويتجلى ذلك بقوة في علاقة أهالي القرية بالخور التي تبقى محكومة بالأساطير المنسوجة حوله حتى بعد استقرار عبد الله فيه وكشفه غناه وبركته، وفي شخصية ابنة الراعي التي يستحوذ مشروع الثأر لوالدها على وقتها وتفكيرها إلى حد يُسمّر قدَرها فتبقى طوال حياتها "ابنة الراعي"، أي بلا اسم أو هوية خاصة بها، حتى بالنسبة إلى عبد الله الذي يستمر في تسميتها على هذا النحو حتى بعد زواجه منها!

ولتلطيف عزلة شخصياته وإحساسها بالفراغ، "يؤنسن" أبو حنيجر الكائنات المحيطة بها، فيمنحنا صفحات رائعة حول ذلك الترابط الذي يحدث بين الإنسان والحيوان، حين ينعدم الاتصال بين البشر، ترابط تجسّده علاقة الأفعى الحميمة بعبد الله، ولكن خصوصا علاقة الصداقة والألفة التي تربط هذا الأخير بجَمَله وتصل إلى حدّ تدخينهما "الجوزة" معا وتحاورهما الثابت على طول الرواية.

المصدر : الجزيرة