معرض الكاريكاتير الاجتماعي بنواكشوط نظم بالتعاون مع المركز الثقافي المصري (الجزيرة)
أمين محمد-نواكشوط
 
إذا كانت موريتانيا قد اشتهرت بوفرة إنتاجها في المجالات الأدبية حتى سميت ببلد المليون شاعر، فإن من أصناف الفنون التشكيلية ما لا يزال شبه غائب عن الساحة الثقافية والإعلامية، مثل الكاريكاتير، رغم المحاولات المتعثرة من حين لآخر لتنشيط هذا الفن وتقديمه بشكل مفهوم ومقبول للرأي العام المحلي.
 
وضمن تلك المحاولات ينظم بدار المتحف الوطني في العاصمة نواكشوط أول معرض للكاريكاتير الاجتماعي، يسلط الضوء على بعض الظواهر الاجتماعية ذات الأثر "المدمر" على الحياة الاجتماعية، في بلد لا تزال فيه العادات والتقاليد المتوارثة تحدد أنماطه السلوكية وتلعب دورها المؤثر في توجيه سكانه.
 
وينظم المعرض بالتعاون بين المركز الثقافي المصري والفنان بونا ولد الدف، الذي يعتبر أحد أبرز وأشهر رسامي فن الكاريكاتير في موريتانيا، ويضم عشرات اللوحات، ما بين مصرية وموريتانية، تتضمن نقدا لاذعا للكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية بأسلوب ساخر.

لوحات الكاريكاتير المصرية تناولت مشاكل وقضايا اجتماعية (الجزيرة)
بسمة في رسمة
وتعود أغلب اللوحات المصرية المعروضة إلى الفترة الحديثة، وأغلبها من إنتاج ورسم الفنانَيْن المشهوريْن الراحل صلاح جاهين، الذي يعتبر أحد أبرز رسامي الكاركاتير في مصر، والفنان مصطفى حسين، وهو نقيب سابق للفنانين التشكيليين في مصر وأحد أعمدة هذا الفن.
 
ويقول مدير المركز الثقافي المصري في نواكشوط خالد غريب -للجزيرة نت- إن اللوحات المصرية المشاركة في المعرض تنوعت اهتماماتها، والقضايا التي عالجتها. وهي بشكل عام تحاول أن تبعث البسمة وترسل للموريتانيين من إخوانهم المصريين "بسمة في رسمة" وفقا لتعبيره.

وتتعرض بعض اللوحات إلى مشاكل العنوسة والزواج وغلاء المهور لتعالجها بشكل مختلف وبأسلوب ينتقد الهجمة الصينية وحضور المواد والأشياء الصينية في "حياتنا اليومية"، تحولت بموجبها "الأشياء" الصينية الرخيصة إلى بدائل متاحة عن كل ما هو غال وثمين.. وفي إحدى اللوحات يخاطب أحد الآباء المصريين ابنه المقدم على الزواج، مشيرا إلى فتاتين مصريتين قائلا "يا ابني إذا كنت شايف إن المهر غالي وسعرها عالي عليك.. عندنا منها صيني، وسعرها أرخص كتير".

كما تنتقد أخرى بأسلوب ساخر وظريف تغير العلاقة بين الرجل والمرأة بين إقبال من الرجال في فترة ما قبل الزواج بموازاة مع إعراض وصدود من النساء، ولكن بعد الزواج والحمل تتغير الصورة "المرأة باتت هي من يطارد الرجل بحثا عن المصروف، وخوفا الطلاق".

لوحة لفنان الكاريكاتير الموريتاني بونا ولد الدف تنتقد ما آل إليه وضع الثقافة والتراث (الجزيرة)

تراث للبيع!
من جهته يقدم الفنان الموريتاني بونا ولد الدف الكثير من اللوحات الفنية، التي تعرض حال المجتمع وتنتقد الكثير من الأخطاء والمسلكيات، التي يصفها بالمدمرة والخطيرة على المجتمع.

في إحدى اللوحات يدق ولد الدف ناقوس الخطر، فكل شيء صار للبيع حتى التراث الثقافي، إذ تصور أحد الباعة يحمل على رأسه منارة مسجد ونخيلا ومخطوطات وخيما تقليدية وبعض الموروثات الثقافية عارضا جميعها للبيع، فيما تعرضت أخرى للتحديات التي تواجهها الموسيقى التقليدية بعد التطور التكنولوجي وانتشار الآلات الحديثة، التي ملأت الدنيا وشغلت الناس عن موروثهم التقليدي.

وتقابل لوحتان أخريان بين هجرتين، فالعقول الموريتانية تحلق عاليا في إحدى اللوحتين مهاجرة إلى الخارج بحثا عن ظروف حياة أفضل، فيما يهبط ركب آخر من المهاجرين (المهاجرون السريون أو غير الشرعيين) إلى قاع البحر، حين تنتهي بهم رحلة الموت إلى بطون أسماك القرش بحثا أيضا عن لقمة عيش وسداد رمق.

لوحة للفنان ولد الدف حول أزمة النقل العمومي بموريتانيا (الجزيرة)

تحديات
يقول ولد الدف للجزيرة نت إنهم فضلوا اللوحات الكاريكاتيرية ذات الطبيعة الاجتماعية على نظيراتها ذات الشحنة السياسية -رغم إيمانه بارتباط الأمرين- وذلك بسبب ما يعتبره غليانا في الساحة السياسية يفرض على الفنان أن يخطو بحذر، ويقدم رسائله وفنه بحذر إلى الناس، حتى يتقبلوه وحتى يساهم من بعد في لفت الانتباه وإيجاد الحلول لمشاكلهم المتفاقمة.

ويعتبر أن من مشاكل فن الكاريكاتير في موريتانيا قلة الرسامين، وضعف اهتمام الصحف، وعدم فهم لوحاته من قبل القراء البسطاء، وانعدام الجمعيات المنشغلة بهذا المجال، وضعف الدعم الرسمي.

ولكن مسؤولة الثقافة بوزارة الثقافة الموريتانية تربة بنت عمار تؤكد -للجزيرة نت- أن وزارتها أعدت إستراتيجية شاملة للنهوض بهذا القطاع، وإيلائه العناية التي يستحق بوصفه من أهم الأنماط الفنية التي باتت تساهم في نهوض المجتمعات المعاصرة وفي علاج الإشكالات الاجتماعية المستعصية.

المصدر : الجزيرة