علي فرزات: الكاريكاتير ابن الميدان
آخر تحديث: 2012/6/7 الساعة 13:23 (مكة المكرمة) الموافق 1433/7/18 هـ
اغلاق
خبر عاجل :محكمة مصرية تقضي بإعدام 11 شخصا وبالمؤبد بحق 14 في قضية "خلية الجيزة"
آخر تحديث: 2012/6/7 الساعة 13:23 (مكة المكرمة) الموافق 1433/7/18 هـ

علي فرزات: الكاريكاتير ابن الميدان

علي فرزات يرسم بمعرضه ضمن فعاليات "وطن يتفتح في الحرية" بالدوحة (الجزيرة)
أحمد الشريقي- الدوحة
 
استعادت أصابعه عافيتها تماما، ومضى يرسم بين جموع هائلة بمعرض في الدوحة، التي زارها مؤخرا، وهو الذي تعود ذلك منذ زمن طويل أن يضيء عتمات حواري دمشق مرة بفوانيس تزيل شبح الظلمة والقمع عبر صحيفته "الدومري" وأخرى بكاريكاتيرات ساخرة تهز الدكتاتور من علي كرسيه.
 
من نافذته المطلة على جموع الساخرين والثائرين بدمشق، كان يطالعهم ويخلدهم مناضلين وهاتفين لحرية معتقله في أقبية الزنازين، وفي قاعات قصر فاره مرَغ علي فزات صورة صاحبه كثيرا، في كاريكاتير شهير يعاين وجه الدكتاتور الشاحب، وهو يطالع يوم الجمعة الرهيب ويشيح وجهه خوفا من إيقاع الثائرين على صوت الحرية.
 
جانب من معرض علي فرزات بالدوحة  (الجزيرة)
سخرية لاذعة
غادر علي فرزات دمشق إلى الكويت، حيث كان صديقه الشهيد ناجي العلي يهز بريشته عروشا، وثورة خانت خطها، ولكن في صحيفة مغايرة هي "الوطن"، بينما كان حنظلة يحتل صفحة "القبس" الأخيرة. وفي منفاه الذي خرج اليه -تحت رغبة محبيه في سوريا- لدى فرزات كثير من الحنين يكفي ليفجره سخرية لاذعة لنظام يتداعى.
 
بعيدا إذن، وقبل موقعة تكسير عظامه الشهيرة في ساحات دمشق، التي أثارت العالم خوفا على أهم المدافعين عن سخرية مرَة في وجه النظام، كان الفتى الحموي يهز رتابة نظام وصحفا محنطة، ويتفق مع شاعر سوريا محمد الماغوط لتدشين صحيفة الدومري الساخرة، لكسر ملل من رتابة ماهو موجود واستدعاء حرية غائبة منذ عام 1963.
 
وكان فرزات قد حصل على ترخيص بإصدار جريدة "الدومري" عام 2001، بأول ترخيص يعطى لصحيفة مستقلة في سوريا منذ 1963، وشهدت رواجا كبيرا منذ بدء صدورها مع طبع ستين ألف نسخة.
 
بيد أن النظام التقط رسالة فرزات، وحاربه وجيش مخابراته ضده. أرسل كما يقول فرزات "رسالة إلى المطابع بمنع طباعة الصحيفة، ورسالة أخرى له مؤداها أنه إذا لم تطبع فسنغلق الصحيفة. حارب كثيرا لحماية صحيفة كانت تنفذ منذ ساعات الصباح الأولى، وسير النظام إلى مكتبه مظاهرات متهما إياه بمعاداة الشعب العراقي، ولولا وقوف مثقفين شرفاء لكان قد قضي عليه منذ زمن بعيد.
 
فرزات: عندما أرى طفلا في العاشرة يموت من أجلي وأجل حربتي فإنني أعتبر ثقافتي وفني ليست شيئا أمام هذا الطفل، فهو يعلمني الثقافة منذ البداية
فانوس الدومري
وفي آخر أعدادها كان القاص زكريا تامر والشاعر الراحل ممدوح عدوان والصحفي إياد عيسى يطلقون من "الدومري" آخر طلقاتهم الساخرة على نظام يدعي الإصلاح في ملف عنه كان نهاية صحيفة مناضلة تجاوزت طبعتها الأولى ستين ألف نسخة، لكن فانوس الدومري ظل مشتعلا، وهو الذي حول قراءة الصحيفة إلى طقس يومي للعامة والنخبة، كما كانت رسومه كذلك تعتلي محال البقالة ومكاتب المثقفين والمبدعين، لم تكن الصحيفة بحسبه تجارية "بل كان هدفها التحريض على فعل يزيل البؤس عن شارع هو ابنه"

وعندما انفجرت الثورة ، لم تكن لديه حسابات معقدة ليفكر "ألبس كاريكاتيره" لباس الكاكي -الميدان- وأنزله إلى الشارع هاتفا عن حرية دفع ثمنها حمزة الخطيب ابن العاشرة والطفلة هاجر دماءهما، لا مجال لدى فرزات بالتفكير أين يصطف و"من فكروا سقطوا في الامتحان وأجفل منهم الشعب وقطع معهم إلى غير عودة" كما يقول.

ويضيف فرزات للجزيرة نت"عندما أرى طفلا في العاشرة يموت من أجلي وأجل حربتي فإنني أعتبر ثقافتي وفني ليست شيئا أمام هذا الطفل، فهو يعلمني الثقافة منذ البداية".

يسخر ابن حماه -ميدان المجزرة الشهيرة- والمولود فيها عام 1951 من "شعراء يكتبون عن الفراشات والعصافير، في النهاية هم صيادون يطلقون النار عليها"، وبرأيه  "فهو سلوك منفصل وفصام بين الشاعر ومقولاته وسلوكه، وهو ما لا يقبله لنفسه".

يستذكر صديقه الماغوط صاحب "سأخون وطني" ابن السلمية، الذي يعتبر أن كل السخرية المرة تنبع منها. ويقول لو كان حيا ما اصطف إلا مع الثورة ولربما أيضا ضحك أو سخر أو بكى من موقف دريد لحام الذي كان يشكو في حياته من لي عنق نصوص في مسرحياته الشهيرة "ضيعة تشرين" وغربة وغيرها.

ويعتبر أن أكثر رسامي الكاريكاتير إبداعا لا يمكنه أن يحاكي هذه السخرية المرَة للماغوط على الإطلاق، وأول فكرة للدومري كما يقول "كانت مبنية على أساس أن نخرج الصحيفة معا، كانت الفكرة الأساسية تقوم علينا نحن الاثنين أنا رسام وهو كاتب".

بعد إغلاق صحيفته جعل فرزات من كل صالات العالم مكانا لكاريكاتيره، ولو ضيق عليه النظام كل المنافذ، فإنه كان سيلجأ إلى الحمام الزاجل، يربط رسوماته في رجله ويطيرها، فلابد من المشاغبة على النظام.

من لوحات الفنان علي فرزات (الجزيرة)

لباس الميدان
في مرسمه بصحيفة "الوطن" بالكويت، ما زال لا يجيد لعبة التقنيات الحديثة، وبقي أمينا لأساليبه التقليدية في الرسم، ويرى أنه "من ناحية تقنية فنية عندما ترسم على الورق وتسمع صريره ونغمته الموسيقية السحرية فإن الناس تسمعها، أما الرسم من خلال التقنيات الحديثة فأنا أراها تصبح مثل قبلة من خلف الزجاج حيث لا حرارة فيها".

ويضيف قبل الثورة "كنت أرسم بحرفية ورمزية عالية وأمكث فترة طويلة واضعا فيها رموزا تحتاج إلى وقت للتأمل يحتاج إلى فترة نسبية، اليوم ليس بإمكاني فعل ذلك والثورة مشتعلة، فلا بد من أعمال سريعة تواكب الحركة وتتضمن الكثير من الحماس"

والكاريكاتير في الثورة حسب فرزات "ليس بحاجة إلى جلسة على الشرفة وشرب فنجان قهوة، "ما أفعله أني ألبسه لباس الميدان لينزل إلى الشارع مع الناس والمتظاهرين، لذا فهو ابن الزمان والمكان".

فرزات، حاز جوائز كثيرة خلال مسيرته الطويلة في الرسم والنضال، لكن أهم ما فيها هو محبة الناس الذين حولوه إلى أيقونة لثورتهم، وبالمقابل يأمل هو ألا يطول الغياب فقد "اشتاق للشام كثيرا".

المصدر : الجزيرة

التعليقات