عباس أرناؤوط تحدث في روايته عن وجع الغربة والشتات وآلام الفلسطينيين 
 
في روايته "الطواحين وأنا "لا يحارب الكاتب الأردني الفلسطيني الأصل عباس أرناؤوط أعداء
وهميين تمثلوا له في صور طواحين هواء، كما فعل دون كيشوت في رائعة الإسباني ثربانتس، بل أعداء فعليين، بعضهم بشر من لحم ودم، وبعضهم مجموعة من المصالح والأفكار التي تتحكم في هذا العالم.

رواية عباس أرناؤوط هي في النتيجة رواية شعب، من خلال قصة فرد واحد من هذا الشعب، وهي من زوايا مختلفة لا تصور وضع هذا الشعب وحده، بل وضع المنطقة التي ينتمي إليها أو وضع مجموعة الشعوب "الشقيقة" التي تعيش في هذه المنطقة.

يتحدث أرناؤوط عن التشرد والآلام والعذاب في سبيل الحصول على لقمة العيش، ويقول عن الوعود التي أغدقت على الفلسطينيين عند تشردهم بعودة سريعة إلى ديارهم "أيام ونعود. أكثر من ستين عاما ولم نعد. كنت تحسب المسافة بين عمان والقدس زمن ساعة، فإذا هي سنوات وسنوات، وعمر يطول وغربة لا تنتهي".

ويتحدث عن وجع الانتظار ومرارة التشرد "أيام ونعود.. البيت غرفة واحدة واسعة أمامها ساحة فيها نطبخ ونأكل ونغتسل، ونحن أكثر المهاجرين حظا، فللغرفة سقف، وخيام اللاجئين بلا سقوف، يسكن الغرفة أحد عشر كوكبا، أبي وأمي وأطفال تسعة".

وقبل البدء بالرواية يمهد أرناؤوط لذلك بتقديم نظرته إلى الأدب والفن عامة وتحديده لهما، وهو تحديد مطلق تقريبا يكاد لا يعترف بوجوه التحديد المختلفة التي يتداولها نقاد الأدب والأدباء، إلا أنه في النهاية يصب بشكل عام في ما سميت فكرة تداخل أشكال التعبير الفني على اختلافها لتتحول إلى أمر واحد وظيفته نقل ما في النفس بصور مختلفة لكنها صور تتداخل وتتكامل.

يتحدث أرناؤوط عن التشرد والآلام والعذاب في سبيل الحصول على لقمة العيش، ويقول عن الوعود التي أغدقت على الفلسطينيين عند تشردهم بعودة سريعة إلى ديارهم "أيام ونعود. أكثر من ستين عاما ولم نعد"

أسئلة الأدب والحياة
ويطرح الكاتب أسئلة قديمة عن الأدب والفن عامة وعن وسائل التعبير الفني ودوافعه، يبدأ بالقول "أريد أن أكتب.. لماذا لا أعرف؟ شيء في داخلي يريد أن يخرج فيريح ويستريح .أريد أن أكتب، ولا أعرف لماذا؟ وأعرف أن الذي يكتب عليه معرفة قواعد اللغة وقواعد الصناعة. أن يعرف أن للرواية بداية ووسطا ونهاية، جملا وتسلسلا وفصولا. للكتابة نظام وأنا أكتب بلا نظام، ولا أكره مثلما أكره الخليل بن أحمد، الذي وضع قواعد العروض وقنن موازين الشعر".

يكتب المؤلف بمزيج من القصة والشعر والنقاش العادي مع القارئ ومع هذه الحياة نفسها، وينتقل من جو شعري إلى آخر. يتحدث عن البداية ويسجل اختلاط البدايات والنهايات إذ يقول "قال الطبيب لأبي زوجتك مريضة لا يلائمها هواء القدس القديمة، خذها إلى جبل الزيتون في الطور".

كما يطرح أرناؤوط تساؤلات فلسفية عن الحياة والموت بقوله "الموت هو سر الحياة واستمرارها. يقول الآباء لأبنائهم: تزوج يا ولدي، لعلك ترزق بولد يحمل اسمك. بحث عن الخلود واحتيال على القادم لا محالة. احتيال يسميه العلماء غريزة البقاء، أكبر خدعة نخدع بها أنفسنا أو تخدعنا بها الحياة، وهل ألف ابن وألف حفيد بمزحزحنا عن الموت".

ويروي قصة حياة بطل الرواية يتحدث عن سفر له، فيقول في وصف لم يعد يقتصر هذه الأيام على الفلسطينيين فقط "هبطت الطائرة في مطار عربي. أحسست بالخوف بلا سبب أعرفه، لكنني أعرف أنني مواطن عربي، والمواطن العربي عندما يدخل مطارا عربيا هو متهم حتى تثبت براءته. عليه أن يتوقع الإهانة والقرف والبهدلة ربما لحلم رآه في المنام".

ويضيف "وقفت في الصف الطويل أنتظر دوري، وقفت أمام رجل الأمن بلا ابتسام، فالابتسام في المطارات العربية يذهب بهيبة الدولة. جنسيتك؟ أردني أردني أردني، وهذا جواز سفري لكنك مولود في القدس يعني فلسطيني. تفضل استرح خمس دقائق".

ينهي أرناؤوط الرواية بقصيدة طويلة، يقول لأمه "نعم يا أمي، أحب الحياة إلى حد العشق، والعشق إلى حد الحرية، والحرية إلى حد الموت، والموت إلى حد الحياة. رفعت رأسي. الحصان ينتظر فارسا، انحنيت على يد أمي قبلتها. الطواحين أذرعها سود ملتهبة كالشياطين. لكز الفارس حصانه. تلك هي القصة، الطواحين وأنا".

المصدر : رويترز