طارق الشناوي
 
لم تهدأ بعد الضجة المثارة في تونس ضد عدد من الفنانين التشكيليين واتهامهم بالإساءة إلى المقدسات الدينية حتى بدأت ضجة مماثلة في مصر ضد فيلم "حلم عزيز" للمخرج عمرو عرفة، حيث اتهمه بعض المنتمين للتيار الإسلامي بالسخرية من الذات الإلهية بسبب مشاهد الجنة والنار التى تضمنها الفيلم.

السينما المصرية قدمت قبل نحو خمسين عاما فيلم "طريد الفردوس" للمخرج فطين عبد الوهاب المأخوذ عن قصة لتوفيق الحكيم تتناول حكاية إنسان مسالم يمارس عباداته ولا يرتكب أي خطأ ولكنه سلبي، ولهذا بعد وفاته يرفض حارس الجنة دخوله إليها، ويرفض أيضا حارس النار استقباله، حيث تتساوى حسناته وسيئاته، ولهذا يعود مجددا إلى الأرض ليعيش الحياة مرة أخرى.

لو طبقت المعايير الدينية الصارمة على "طريد الفردوس" آنذاك لرفض بشكل مطلق، إلا أن العمل الفني الجريء بمقياس تلك الأيام وجد طريقه إلى الجمهور بموافقة الرقابة وتقبله المجتمع، ولا يزال يعرض بين الحين والأخر في الفضائيات العربية دون حذف، بينما فيلم "حلم عزيز" لم يصل أبدا إلى هذه الجرأة فهو قدم فقط مشاهد خيالية للجنة والنار عن طريق "الغرافيك"، ومن خلال لقاءات لبطل الفيلم "أحمد عز" مع والده، الذي أدى دوره شريف منير.

حتى الآن لم نسمع أي صوت رسمي في مصر يدافع عن حق المبدع في تقديم هذه النوعية من الأعمال الفنية، خاصة وأن الفيلم حصل على موافقة مسبقة من الرقابة على السيناريو، وبعد ذلك على العرض.

حتى الآن لم نسمع أي صوت رسمي في مصر يدافع عن حق المبدع في تقديم هذه النوعية من الأعمال الفنية

في حالة تونس، حرص الرئيس المنصف المرزوقي على إصدار بيان يطمئن فيه المبدعين ويؤازرهم، بينما شاهدنا في مصر مؤخرا الكثير من الممارسات من متطرفين، منعوا أكثر من مسلسل من التصوير في المقابر بحجة أن هذا يتعارض مع حرمة الموتى، رغم أن حوالي أربعة ملايين مصري يعيشون في المقابر ويمارسون حياتهم الطبيعية على مقربة من شواهد القبور، ولم يعد ذلك اعتداء على حرمة الموتى.

ومع كل ذلك، فإن ما يدعو أكثر للخوف على مستقبل الإبداع  في مصر هو الانشقاق الحاصل بين صفوف المبدعين، حيث أعلن في منتصف هذا الشهر عن تدشين اللجنة الوطنية للدفاع عن حقوق الفكر والإبداع ضد التيارات المتطرفة، بينما أعلن مع مطلع العام عن جبهة تحمل نفس المبادئ والهدف تحت اسم جبهة الدفاع عن حرية الإبداع. لا فرق بينهما سوى في كلمتي جبهة ولجنة.

حرصت الجبهة فور إنشائها على ألا تصبح مجرد هيكل يجمع الفنانين، فوضعت رموزا للفن والثقافة على المنصة، وفي مقدمة "الكادر" للتأكيد على أن الرغبة هي إنشاء جبهة وطنية تجمع كل الألوان الفكرية والثقافية وتدافع عن حرية الراي والتعبير والإبداع.

كان مصدر الخوف هو سيطرة فصيل إسلامي على المجالس النيابية، وبالتالي إصدار تشريعات تكبل الفن والثقافة. وتحركت مسيرة احتجاجية من دار الأوبرا المصرية إلى مجلس الشعب ترفع تلك المطالب وظلت الجبهة حريصة على إعلان رأيها في كل موقف يتعرض له الفن في مصر، مثل الحكم الصادر ضد عادل إمام بازدراء الأديان، أو منع المخرجة كاملة أبو ذكرى من التصوير في الجامعة أو اعتراض عدد من الطلبة على عرض الفيلم الإيراني "انفصال" الحاصل على الأوسكار في كلية الصيدلة، بحجة أنه يدعو للمذهب الشيعي، أو رفض وزارة الأوقاف التصريح للمخرج "أحمد عبد الله" بتصوير فيلمه "ستر وغطا" فى أحد المساجد وغيرها.

الجبهة فتحت أشرعتها للجميع وتابعت كل القضايا، ولكن كالعادة هناك من يفضل البقاء في الظل وهناك من تراه في دائرة الضوء ليبدو وكأنه هو وجه وليس فقط واجهة للجبهة. وهكذا كان المخرج خالد يوسف والمنتج محمد العدل هما الوجه والواجهة لتلك الجبهة، فقد صارا عنوانين رئيسيين في برامج "التووك شو" والصحافة، وعندما يفكر أحد في الحديث عن دور الفن في مقاومة الهجمة الشرسة والمترقبة تتجه الأنظار إلى العدل أو خالد.

وتدريجيا احتل خالد يوسف تلك المكانة بمفرده، ولا أدري بالضبط إذا كان هو قد سعى لذلك أم إن الأمر ناجم عن كسل الآخرين، أم لأنه بطبعه يجيد مخاطبة الإعلام، فصار ورقة رابحة في البرامج الحوارية التي تنتشر عبر كل الفضائيات.

البعض أصبح هدفه هو البحث عن جهة ما يتزعمها أو يتصدرها ليصبح رقما في أي معادلة أو حسبة سياسية قادمة

أشعر من الملابسات المتعددة أن الهدف الكامن غير المعلن لإنشاء لجنة أخرى وتمزيق جهود المبدعين، هو من يعتلي المنصة ليصبح الواجهة والوجه. بالتأكيد أغلب المثقفين الذين انضموا للجبهة أو اللجنة، لا يعنيهم  هذا الصراع، وهدفهم الأول هو الدفاع عن حرية الإبداع، ولكنهم لا يدركون خطورة الانقسام بين جبهتين أو لجنتين.

المخرج مجدي أحمد علي، كان يتصدر المشهد في اللجنة الوليدة، على اعتبار أنه ينبغي أن يكون هناك من يقف في مقدمة الكادر. كما أن اللجنة شهدت تواجدا لقطاع أكبر من موظفي وزارة الثقافة -وبالطبع هم لا يشاركون في اللجنة باعتبارهم موظفين-، حتى ولو كان بينهم وزير الثقافة المصري الحالي محمد صابر عرب، ومديرة دار الأوبرا ورئيس القطاع الثقافي وغيرهم، إلا أن الأهم هو هل القضية المصيرية تحتمل هذا الصراع؟

أتذكر أن الفنانين تحركوا في مسيرة ضخمة لإعلان موقفهم المؤيد لتلك الجبهة وكان بينهم حسين فهمي ومحمد خان وعزت العلايلي ومحمود ياسين وبهاء طاهر وجمال الغيطاني ويوسف القعيد ووزيرا ثقافة سابقان هما عماد أبو غازي وشاكر عبد الحميد، وكان شاكر في تلك الأيام لا يزال وزيرا للثقافة، هذا بالإضافة إلى عدد ضخم من الفنانين الشباب لأن الجبهة تضم كل الأجيال.

في ثورة 25 يناير ولدت عشرات من الائتلافات الثورية في مصر، كل منها يقول كلاما يشبه ما يقوله الإئتلاف الآخر، فقط الاختلاف في اسم الرئيس أو المتحدث الرسمي أو الواجهة التي تتصدر المشهد وكانت بمثابة وجبة يومية لبرامج التلفزيون، وهكذا فقدت تلك الإئتلافات معناها ومصداقيتها.

البعض أصبح هدفه هو البحث عن جهة ما يتزعمها أو يتصدرها ليصبح رقما في أي معادلة أو حسبة سياسية قادمة، وهكذا يتناسون قضية الدفاع عن الحرية، ليتصارعوا بينهم على من يستحق الزعامة.

مع الأسف هناك صراع، كثيرا ما نراه في الحياة الفنية والثقافية اسمه "من يسرق الكاميرا؟". بعض القوى التي تحارب الفن وتراه رجسا من عمل الشيطان تنتشر وتتوغل وتصل في اتهاماتها إلى أن تطلق على المبدعين ضربات قاتلة مثل تهمة التعدي على الذات الإلهية، بينما يتنافس المبدعون ويتصارعون على من يحتل مقدمة "الكادر".
______________
كاتب وناقد سينمائي مصري

المصدر : الجزيرة