جانب من الحفل الختامي لملتقى قرطاج للموسيقى البديلة (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
حولت تظاهرة "ملتقى قرطاج للموسيقى البديلة" متحف قرطاج بضواحي العاصمة التونسية من فضاء ساكن للقطع الأثرية والتماثيل الصامتة إلى فضاء ضاج بالحياة وبالموسيقى الراقية، وذلك ضمن التظاهرة الفنية التي تعنى بالموسيقى البديلة في العالم العربي والتي انتظمت تحت شعار"موسيقى والسلام".
 
وحققت التظاهرة التي نظمتها وزارة الثقافة التونسية  بمشاركة عدد مهم من الفرق المعروفة والأصوات العربية المتميزة إقبالا جماهيريا غير مسبوق، رغم الظروف الأمنية التي تعيشها البلاد، واختتمت بحفل راق للفنانة الفلسطينية كاميليا جبران التي انتظرها الجمهور التونسي سنوات.
 
وشارك في الملتقى الفنانة التونسية بديعة بوحريزي واللبنانية ياسمين حمدان في الافتتاح. ونشّط السهرة الثانية الفنانون فاضل بوبكر، ومريم صالح وزيد حمدان. كما شارك في الحفلات كل الفنان الفلسطييني تامر أبو غزالة، وفرقتي"نشاز" و"بربروتس" من تونس وفرقة "لاباس" من الجزائر، قبل أن يقدم  الفنانون اللبنانيون "مشروع ليلى"، ليختتم الملتقى بسهرة كاميليا جبران.
 
جانب من الجمهور في الحفل الختامي لملتقى قرطاج للموسيقى البديلة (الجزيرة)
الموسيقى والقصيدة
المطربة الفلسطينية كاميليا جبران -التي أحيت الحفل الختامي-تعد إحدى أهم الأسماء التي أوصلت صوت الشعب الفلسطيني وقضيته إلى العالم بموسيقاها المختلفة وآدائها الغنائي المجدد، وهي التي ابتدأت مسارها الموسيقي منذ الطفولة في عائلة تعيش بالموسيقى ومنها، فقد كان والدها صانع آلات موسيقية ومدرسا للموسيقى. 

مع فرقة صابرين الفلسطينية بالقدس كان تلجبران تجربة احتراف، قبل أن ترحل إلى فرنسا لتخوض مرحلة التجريب الموسيقي، وتعكف على نحت مسار غنائي وموسيقي مختلفين، التفتت فيه كاميليا جبران إلى الشعر العربي فغنت لكبار الشعراء العرب من محمود درويش إلى سميح القاسم وحسن نجمي، وبذلك تمكنت من جمع ثلاثي النجاح: جودة الصوت وجدة الموسيقي وتميز الكلمات.

ركزت جبران في حفل قرطاج على قصائد لشعراء يعيشون في المنفى. وكان نصيب الشاعر العراقي فاضل العزاوي -المنفي في ألمانيا- النصيب الأكبر. كما غنت لعائشة الأرناؤوط، التي تعيش المنفى الباريسي وللشاعر  المغربي حسن نجمي قصيدة "أسرى"، وقصيدة "لسنا" للشاعر اليوناني ديمتري أناتاليس. وبدت صاحبة أغنية "غريبة" حريصة على ذكر أسماء الشعراء، بل إنها كثيرا ما كانت تشير إلى مواقعهم ومعاناتهم في المنافي أو إلى عمق تجربتهم.

وانعكس أداء جبران على الجمهور الذي كانت سعادته بادية بتلقيه هذه الأعمال الراقية، المفتوحة أكثر على الأدب وعالم الكلمة البديلة والتجارب الأدبية الجديدة. وكأنه يفند مقولة الصقت به كجمهور أغاني خفيفة راقصة، التي كثيرا ما تذرع بها أصحاب القرار في وزارة الثقافة في استبعادهم لفرق موسيقية وأصوات غنائية ملتزمة أو تجارب مختلفة بأن ليس لها جمهور.

وأعاد هذا الحضور الكبير تشكيل صورة الجمهور التونسي نفسه، وجعل المسؤولين يعيدون حساباتهم من جديد في هوية جمهور يسهر الليل يتذوق قصيدة النثر المعاصرة وكانت فرصة لاكتشاف عوالم جديدة من الفنون ومن الموسيقى.

الأدب البديل
وشهد الملتقى في يومه الختامي جلسة خاصة للصالون الأدبي الثقافي "ناس الديكامرون" بعنوان :" الأدب البديل: من الشذرة إلى البروفيل". وحاول الصالون المتكون من عدد من  الأدباء والباحثين في الفلسفة وعلم النفس والأدب أن يقارب فكرة البديل الثقافي والأدبي بالأساس.

وتطرق المتدخلون إلى ظاهرة ما سمي بـ"أدب البروفايل"، الذي بدأ يكتسح شبكات التواصل الاجتماعي والذي بدأ ينتزع حضوره في الغرب كأدب مستقل. وقد عاد المتدخلون بالجمهور إلى فن الكتابة الشذرية العربية وقصيد البيت الواحد عند العرب، وقصيدة الهايكو الياباني وغيرها من الظواهر الأدبية وتطرقوا إلى جمالياتها وظروف نشاتها كنصوص منشقة على تقاليد الكتابة الأدبية.

الجويني: فكرة لم شمل هؤلاء الفنانين وهذه التجارب الموزعة في العالم العربي جاءت لتكون مناسبة للتعرف عليهم ومناسبة لهم أيضا للتحاور وتبادل الخبرات والتجارب

تظاهرة متكاملة 
وتعتبر هذه التظاهرة الموسيقية والأدبية -كما رآها عدد من الحضور- نموذجا للتظاهرات الراقية التي حدثت في تونس هذه الأشهر، لأنه إلى جانب ما تشي به من رقي فني وأدبي من خلال هذا الحضور المتميز للتجارب الفنية العربية واحتضان تونس لها، فإنها قدمت صورة أخرى لتونس من خلال ذلك الحضور الكبير للجمهور المتنوع بين مواطنين وسياح، خلاقا لما تروجه بعض الصحافة الأجنبية خاصة حول الوضع السياحي في تونس.

وأشار المندوب الجهوي للثقافة بتونس محمد الهادي الجويني إلى أن تقديم  ودعم الفن الراقي خيار لا رجعة فيه وأن الشعب يقبل على هذه الأعمال،خلافا لما كان يروج حول نخبوية هذه الفنون، وهو مؤشر على نضج هذا الشعب الذي يجب أن تكون المؤسسة الرسمية في مستوى نضجه، وتدفع بالمشهد الثقافي بعيدا في مسار الحداثة وتأصيله في انتمائه العربي.

ومن هنا -كما يؤكد الجويني- جاءت فكرة لم شمل هؤلاء الفنانين وهذه التجارب الموزعة في العالم العربي، لكي تكون مناسبة للتعرف عليهم، ومناسبة لهم أيضا للتحاور وتبادل الخبرات والتجارب.

وأكد الجويني للجزيرة نت أن الوزارة ماضية في تشجيع التجارب الإبداعية الشبابية وتمكنهم من فرص الحضور  بقوة داخل المشهد الثقافي التونسي من تظاهرات ومهرجانات، مشيرا إلى أن هذا التوجه للوزارة يحمل في طياته فلسفة واضحة وحاجة عميقة إلى التواصل مع العقليات الجديدة.

ورأى عدد من الحضور أن هذه التظاهرة تأتي ضمن ما يمكن تسميته باستفاقة المؤسسة، والتفاتها لفنون نبتت وترعرعت في الهامش وتحقق اشعاعا وجماهيرية رغم أنها تعيش وتنمو بامكانات بسيطة. فهذا المنجز الموسيقي الذي ينهض كبديل اليوم كان مثله مثل الأنشطة السياسية ينشر بواسطة ما سماه المسؤول بـ"سلاح الثقافة السرية" المتمثل في الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وعن طريق المشافهة.

المصدر : الجزيرة