أمجد ناصر
 
في زمن عربيّ اختلط فيه الحابل بالنابل ويصعب تصنيفه الآن، طيّرت وكالات الأنباء من نيويورك خبر وفاة شاعر "المقاومة الفلسطينية" راشد حسين، محترقا بسيجارة كان يدخّنها وهو يغفو غفوة لم يفق منها. بعد ذلك كان علينا أن نقرأ في صحف الصباح خبر احتراق الفنان التشكيلي السوري المتمرد لؤي كيالي بسيجارة في منزله بمدينة حلب.

لا شيء يربط هنا بين وفاة الشاعر الفلسطيني في نيويورك والرسام السوري في حلب سوى الموت بسيجارة.. ليست بالضرورة من النوع نفسه!

محتمل جدا أن تكون هناك صلات ثقافية، وتشابهات مزاجية، أو تطلعات تحرّرية ربطت على نحو غير مباشر بين شاعر فلسطيني يقيم في نيويورك ورسام سوري من حلب، ففي تلك الأيام لم يكن العرب قد بلغوا "سن اليأس" الوطني تماما، رغم لمعان نذر الخروج المصريّ الرسمي من الصراع مع إسرائيل في الأفق، فقد كانت هناك أحلام، بل مشاريع مشتركة، بوسعها أن تحمل على أجنحتها المحلّقة شاعرا فلسطينيا يقيم في نيويورك ورساما سوريا من حلب.

هذه المقالة ليست عن الشعر أو الفن التشكيلي، ولا هي عن راشد حسين، الذي لم يقبل قسم من الفلسطينيين أن تكون سيجارة مشتعلة سبب موته المفاجئ، ولا هي عن لؤي كيالي، الذي قيل إنه أراد الموت حرقا عندما تمدّد على فراشه وتناول حبة "فاليوم" عيار عشرة ملغ، وأشعل تلك السيجارة الأخيرة، كما أن هذه المقالة ليست عما يسببه التدخين من كوارث "جانبية"، بل عن التدخين نفسه، أو بدقة أكبر: الإقلاع عن التدخين.

أعرف من أين أبدأ، وكيف. لديَّ "خريطة طريق" كتابية واضحة ولديّ من يقودني في متاهاتها الداخلية: السيجارة. من دون السيجارة، ذلك الضوء الساطع في ليل الكلمات، لا كتابة

وعلى النحو الذي استهل فيه غابرييل غارسيا ماركيز مقالته "ذكريات مُدخّن متقاعد" أبدأ مقالتي، أو بحسب تعبير ماركيز، ذكرياتي.

"لم أترك التدخين لأي سبب معين، ولم أشعر مطلقا بأني أصبحت أحسن حالا أو أسوأ حالا، ولم يتعكر مزاجي، ولم يزد وزني، واستمرّ كلّ شيء كما لو أنني لم أدخن في حياتي قط، أو كما لو أنني ما زلتُ مُستمرا في التدخين"!

هذا ما يقوله ماركيز بعدما أقلع عن التدخين، ومثل معظم مقارباته المحتدمة للأشياء فإنّ ما قاله يبدو لي غير قابل للتصديق. أعني بحسب المعنى الحرفي لتلك الكلمات. أو بتعبير آخر: بحقيقتها الواقعية، إذ غالبا ما "تضيع" الحقيقة عند ماركيز تحت قصفه البلاغي وتزاحم مجازاته وتلاطم ألفاظه.

المجازات، الصور والكلمات، هي تقريبا "حقيقته" الأدبية. إنها "التحويل الشعريّ للواقع" الذي يصرف النظر عن "الحقيقة" الواقعية. يغريني الكلام عن سيّد الواقعية السحرية فأسترسل، أو أصاب بعدواه. لأبقى، إذن، عند ذلك المقتبس الذي استهللت به حديثي.

أصدّق الجملة الأولى من كلام ماركيز ويصعب علي، بل يستحيل من "واقع التجربة" كما يقولون، تصديق ما تبقى. قد لا يكون هناك سبب مباشر وضاغط دعاه -أو غيره- للتوقّف عن التدخين. هذا ممكن. لكن أن لا يشعر مطلقا بأنه أصبح أحسن حالا أو أسوأ، وبأن مزاجه لم يتعكر، وبأن وزنه لم يزد، كأنه لم يدخِّن في حياته قط، أو كأنه (يا لألعابه اللفظية المدهشة) مستمرّ في التدخين!!

طيِّب. سأتحدّث عن نفسي الآن وأروي تجربتي مع الإقلاع عن التدخين. في عام 1996 تحدّاني صديق أقلع عن التدخين توّا بأني لن أستطيع أن أحذو حذوه. قلت له إني أستطيع، أمهلني بضعة أيام ريثما أفرغ من بقايا "كروز" المارلبورو الذي لديّ الآن! قال متى يعني؟ قلت له يوم الاثنين القادم! كان ذلك يوم أربعاء أو خميس.

أعطيت موعدا حاسما لا مجال للتراجع عنه مع بداية الأسبوع (الغربي). مع آخر سيجارة من آخر علبة من "كروز" المارلبورو انتهت علاقتي بالتدخين لتبدأ علاقتي مع كلّ ما قال ماركيز إنّه لم يعرفه بعد إقلاعه عن التدخين: التوتر، و"النرفزة"، وتعكرّ المزاج، وازدياد الوزن، والتفكير بالسيجارة طوال الوقت، والأسوأ طُرَّاً: التوقف التام عن القراءة والكتابة.

كلّ فعلٍ حيويّ في حياتي ارتبط بالتدخين. إنه الناظم السري (هل أقول السحري؟!) لحبّات سبحة الحياة اليومية: الصحو صباحا لا يكون صحوا من دون فنجان قهوة، وهذا الفنجان لن يكون له طعم من دون السيجارة الأولى التي تُعَزَّزُ، سريعا وتلقائيا، بالثانية فالثالثة إلى أن أكاد أشعر بانسداد في حلقي. أكره التدخين للحظات بعد متوالية السجائر الصباحية. ثم سيكون علي التوجه بمزيج من السعال والكره المضمر للتدخين إلى مكتبي (الركن المخصص لي في البيت) حيث تنتظرني مشاريع مقالات، وقصائد، ونصوص تبحث عن تجنيس لها.

 يمكن القول إن السيجارة تشبه (ولكن على نحو معاكس) أنبوب الأوكسجين الذي يديم حياة بعض المرضى. إنها ضرع الحياة الذي لا فطام منه.. أو هكذا بدا لي الأمر إلى أن جاء "يوم التحدي" ذاك.. فتوقفت تماما عن التدخين

هناك مواعيد محددة ينبغي أن تُوفى. هناك زوايا تنتظر أن تُملأ في يوم محدّد من الأسبوع. أعرف تراتب "مسؤولياتي" الكتابية. أبدأ بالمهم. وهو ليس بالضرورة قصيدة أو نصاً ملتبس التجنيس بل لعله أن يكون مقالاً كتبت عنوانه فقط، أو بضعة أسطر منه.

أعرف من أين أبدأ وكيف. لدي "خريطة طريق" كتابية واضحة، ولديّ من يقودني في متاهاتها الداخلية: السيجارة. من دون السيجارة، ذلك الضوء الساطع في ليل الكلمات، لا كتابة. بل لا طرف خيط "أردياني"، ابنة مينوس ملك كريت، الذي قاد حبيبها "ثيسيوس"، ابن ملك أثينا، داخل المتاهة العظيمة. "خيط أردياني" لا غنى عنه للتجول داخل المتاهة والخروج منها.

قد يقيض لي قتل "الميناتور"، في جولتي داخل المتاهة، وقد يظل يخور، بصوته النحاسيّ المؤرق، إلى جولة قادمة. لكن الخروج، بفضل الخيط السحري، مضمون. المعدة التي لم تتلق، حتى الآن، سوى جرعات متواصلة من القهوة العربية المركّزة تستسلم إلى العادات المزمنة، فلا تثور، بل تستكين بلا احتجاج يُذكر.

ثلاث إلى أربع ساعات تتواصل، كل صباح، أمام "الكيبورد" بفضل الدخان، الذي يتلوّى بين أصابعي "كالأفاعي الصغيرة" سعيا وراء "الميناتور". المنافض المتنوعة ضرورية لتحسين شروط التدخين وتزيينه، لذلك يكون عليّ أن أختار منفضة معينة كل صباح. منفضة نظيفة لا رماد فيها ولا أعقاب. تلك النفايات التي سرعان ما تكتظ بها المنفضة فأقوم بإفراغها، بقرف من لم يعرف التدخين يوماً في سطل النفايات محكم الإغلاق، معطلا في الأثناء حاستين على الأقل: النظر والشمّ في حال من التواطؤ المكشوف مع الذات.

الأمر المؤكد بعد نحو ثلاث ساعات أمام الكيبورد (لاحظوا أني لم أتحدث عن القلم فهو يتنسب إلى زمن آخر ذي غنائية مجنَّحة!) أنني دخّنت عشر إلى اثنتي عشرة سيجارة! هذا هو "إنجازي" المؤكد، و"المضمون" الذي لا أفاجأ فيه، ما يفاجئني حقا أن أكون قد أكملت ما كنت أعمل عليه: مقالة، قصيدة، فقرة من كتاب. أقمع، في حال من النكران الكامل، أسئلة يطرحها عليّ الجانب "المسؤول" فيّ، من نوع: لا تربط السيجارة بالكتابة، وبـ"الإبداع"، فها أنت دخّنت عشر إلى اثنتي عشرة سيجارة حتى الآن (أكثر من نصف علبة) ولم تكتب سوى خمسمائة إلى سبعمائة كلمة في أفضل الأحوال، وأحيانا كثيرة لا تكتب بضعة سطور! مثل هذه الأسئلة تُقْمَع في الحال.

التواطؤ في نفسي يعمل بكفاءة منقطعة النظير، كي أصل إلى الظهيرة. أتناول غداء (سريعاً) وأفكر متى سينتهي الغداء ليأتي وقت الشاي! وهذا وقت للتدخين من غير أسئلة وشكوك وريب. لا مجال مع كأس شاي بعد الغداء لأيِّ تساؤلات يطرحها الجانب "المسؤول" فيّ. الشاي والسيجارة صنوان لا يفترقان.

ثلاث إلى أربع ساعات تتواصل، كل صباح، أمام "الكيبورد" بفضل الدخان الذي يتلوّى بين أصابعي "كالأفاعي الصغيرة" سعيا وراء "الميناتور".

ولضمان "شرعية" هذا القران يحلو لي أن أستحضر أشخاصا في أفلام أو مسلسلات أو كتب يرتشفون في استرخاء سعيد، أمام "برندات" بيوتهم أو وهم جالسون إلى طاولات المقاهي، كؤوس الشاي مع "سحبات" طويلة، ومحبوسة، من الدخان. ولأمر ما فإن معظم هؤلاء الذين تستدعيهم ذاكرتي مصريون. قد تكون الأفلام أو المسلسلات التلفزيونية، أو قراءاتي للكتاب المصريين المتحدرين من الأرياف، هي السبب.

بحكم عملي الصحفي فإن دوامي يبدأ بعد الظهر. أصل إلى المكتب فأجد طاولتي نظيفة، ومرتبة. منفضة السجائر الزجاجية تلمع. أصنع كأس شاي سريعة ولتبدأ معها متوالية التدخين لما تبقى من النهار، ففي تلك الأيام لم يكن التدخين ممنوعا في المكاتب (الأماكن العامة عموماً) في لندن.

هذا وصفٌ تقريبي لروتيني اليوميّ المنضبط، كعسكر الإنجليز أيام عزِّهم، بالسيجارة. هناك تفاصيل عديدة أخرى يستعان عليها بالتدخين. مع كلّ استثارة حسيِّة أو عقلية أجد يدي تمتدُّ، أوتوماتيكيا، إلى علبة السجائر.

لا تتم الاستثارة في الفراغ. لا بدَّ لها من وسيط أو بيئة تقع فيها: التدخين. هذا يعني أن الخبر الجيد يتطلب سيجارة، وكذلك الخبر السيئ. ما بين يحتاج، أيضا، إلى سيجارة لتمريره، باعتباره حالة لا معنى لها سوى توسّطها بين استثارتين! مما يعني أن التدخين مستمر طوال الوقت. الوقت الوحيد الذي لا تدخين فيه هو النوم، ولكن يحصل حتى في وقت يتم الامتناع فيه عن التدخين، قسرا، أن أرى نفسي في حالة تدخين!

باختصار يمكن القول إن السيجارة تشبه (ولكن على نحو معاكس) أنبوب الأوكسجين الذي يديم حياة بعض المرضى. إنها ضرع الحياة الذي لا فطام منه، أو هكذا بدا لي الأمر، إلى أن جاء "يوم التحدي" ذاك.. فتوقفت تماما عن التدخين.

المصدر : الجزيرة