غلاف عدد مجلة "أوروبا" الباريسية الذي احتفى بالأدب الإيراني (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
مقارنة بالاهتمام الكبير الذي يلقاه الأدب العربي الحديث لدى دور النشر الفرنسية، لا يزال الأدب الإيراني شبه مجهول في فرنسا، كما تشهد على ذلك قلة الأعمال الأدبية الإيرانية المتوفّرة بلغة موليير. وقد خصّصت مجلة "أوروبا" الفرنسية عددها الأخير للتعريف بأبرز وجوهه ومحطاته، متوقفة أيضا عند التحولات الاجتماعية والسياسية التي شكلت إطار تطوّره على مدى القرن الماضي وحتى اليوم.
 
ووفقا لهذا العدد، الذي أعده متخصصون فرنسيون وإيرانيون في الأدب الإيراني، ويقع في نحو أربعمائة صفحة، يتبيّن أن ورشة التحديث في إيران انطلقت في بداية القرن العشرين، على إثر الهزائم العسكرية المتتالية التي تعرّض لها هذا البلد خلال القرن التاسع عشر. وفي هذا السياق، لعب النموذج الأوروبي دوراً مركزيا في سيرورة تطور النثر والشعر الفارسيين.
 
فعلى مستوى النثر، تم استيراد النوع الروائي من فرنسا واستخدامه كأداة تربوية، كما يتجلى ذلك في الروايات الإيرانية الأولى، التي انحصر اهتمامها بالمواضيع التاريخية، قبل أن تنتقل بسرعة إلى المواضيع الاجتماعية ومشاكل المجتمع.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى القصة -التي ظهرت في الفترة ذاتها تقريبا- على إثر الانفتاح على الأدب الأوروبي، وانتشار المجلات الأدبية، وشكلت ركيزة رئيسية لمقاربة الواقع اليومي المعيش. ومن الرواد الذين نتعرّف عليهم في هذا العدد،علي أكبر دهخدا ومحمد علي جمال زاده.

ويجب انتظار مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات، كي يخطو النثر الإيراني الحديث خطوة نوعية مع بزرك علوي، الذي تأثر بالرومنطيقيين الأوروبيين ونظريات فرويد، والأديب الكبير صادق هدايت، الذي طغت كتاباته على حقبته، وتركت رؤيته القلقة للحياة أثرا بالغا على الأجيال اللاحقة.

ومع انعقاد "المؤتمر الأول للكتاب الإيرانيين عام ١٩٤٦، ظهرت وجوه أدبية جديدة، مثل به الزين وصادق جوبك وجلال آل أحمد، وزوجته سيمين دانشور وإبراهيم غولستان وبهرام صادقي وغلام حسين سعدي.

وقد تحكمت مسارات هؤلاء الكتاب وأقدارهم الخاصة بخياراتهم الكتابية، فدفعتهم نحو الواقعية أو العجائبي أو التحليل السيكولوجي، مع العلم أن بعضهم اختبر الخيارات الثلاثة، وجميعهم مارسوا في رواياتهم وقصصهم النقد الاجتماعي.

مع ثورة 1979 واندلاع الحرب مع العراق في الثمانينيات، بدأت مرحلة سوداء للأدب الإيراني على إثر إحكام نظام الملالي سيطرته على الإعلام والمطابع، وفرضه رقابة خانقة على الإنتاج الأدبي

نضوج الرواية
ومع ثورة 1979 واندلاع الحرب مع العراق في الثمانينيات، بدأت مرحلة سوداء للأدب الإيراني على إثر إحكام نظام الملالي سيطرته على الإعلام والمطابع، وفرضه رقابة خانقة على الإنتاج الأدبي. ومع أن بعض المجلات الأدبية عكست حيويةً كبيرة للنثر الإيراني يقف خلفها كتّاب مثل محمود دولت آبادي ورضا براهني وأحمد محمود وشهرنوش بارسيبور وإسماعيل فصيح، فإن كتابا كثرا اختاروا الرحيل، وأصدروا صحفا ومجلات غزيرة في أوروبا وأميركا، مما أدى إلى تجاوز الإنتاج الأدبي الإيراني في المنفى الإنتاج المحلّي.

وداخل هذين الإنتاجَين، يحتل النوع الروائي موقعا أساسيا، بعدما أكمل عملية نضوجه وتحوّل تدريجيا إلى النموذج أو الميزان الثقافي الجديد، وإن لم يتمكن بعد من تهديد موقع القصة البارز داخل النثر الإيراني.

ومن روائيي وروائيات هذه المرحلة الخصبة -على رغم تشتت إنتاجها- برز إلى جانب فصيح وبراهني وبارسيبور ومحمود، غزالة علي زاده وعباس معروفي وهوشنك كلشيري ومهشيد أمير شاهي وفاريبا وافي وجواد موجابي، وفرخنده آقايي وبيجان بيجاري وفرخنده حاجي زاده وغيرهم.

أما الشعر الإيراني، فعرف بدوره حركة تحديث شاملة انطلقت في العقدين الأولين من القرن العشرين على يد دهخدا، وبهار، وإيراج وعارف، الذين حدّثوا لغتهم ومواضيعهم وإن بقيت قصائدهم كلاسيكية الشكل والنظم.

وكان يجب انتظار فترة العشرينيات، كي يتجلى خط فاصل واضح بين شعراء، سعوا إلى تطوير شعرهم تدريجيا انطلاقا من قواعد النظم التقليدي، وآخرين رغبوا في إحلال قطيعة راديكالية أكثر فأكثر مع هذه القواعد، مثل تقي رفعت. وحتى منتصف القرن الماضي، عرفت إيران نقاشاتٍ حادّة بين محدّثين وتقليديين، مهّدت السبيل لانبثاق شعرٍ إيراني محدّث كليا على يد نيما يوشيج، الذي ساهم في تحرير البيت الشعري من آثار النظم التقليدي، وأقدم على ربط النص الشعري بظرفه الاجتماعي.

نتيجة هجرة قسم كبير من الشعراء الإيرانيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، يتبيّن أن الشعر الإيراني تغذّى أيضا من تجربة المنفى التي جدّدت تعابيره وجمالياته

استقلالية القصيدة
وفي الخمسينيات تابع جيل جديد من الشعراء مسيرة يوشيج، كل واحد على طريقته، مثل أحمد شملو، الذي تميّز برفضه الراديكالي للنظم الكلاسيكي أو مهدي إخوان ثالث، الذي تاق إلى التعبير عن الآنية المادية لمحيطه، لكن بلغة كلاسيكية غنية ونظر إلى الشاعر ككاهن جديد قادر على الإمساك بجوهر الكون داخل التجربة اليومية وعلى إسقاطه على شكل أقوال روحية.

وتنتمي إلى هذا الجيل أيضا الشاعرة فروخ فرخزاد، التي تمكّنت في قصائدها التعبيرية الشهوانية من تسليط الضوء على رغبات المرأة وطموحاتها، وبشّرت بنظامٍ كوني جديد، والشاعرة سيمين بهبهاني، التي سعت إلى استحضار العالم المحيط بها ضمن شكل شعري مرسّخ داخل تقليد الغزل.

وفي الستينيات والسبعينيات، برزت مجموعتان شعريتان توجّهتا نحو شعرية مبنية على الصورة واستقلالية القصيدة. وتألفت المجموعة الأولى من سهراب سبهري ويد الله رويائي، المدافعين عن قدسية شكل القصيدة وبنيتها، واعتبرا أن في الصورة إمكانية للسمو بالشعر فوق الالتزامات الاجتماعية والسياسية. كما ضمّت منوشهر آتشي ومحمد سيبنلو، وقد رسّخا قصائدهما داخل صور ملموسة وسعيا إلى ترجمة التفاعلات القائمة بين الذاكرة والمخيّلة.

أما المجموعة الثانية والأصغر سنّا، فتميّزت بتحرّرها من مفهوم الالتزام الأدبي، نتيجة الثورة الإيرانية وكتبت قصائد مركّزة بشكل أكبر على الصورة الشعرية ومشبّعة بمراجع شخصية.

ونتيجة هجرة قسم كبير من الشعراء الإيرانيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، يتبيّن أن الشعر الإيراني تغذّى أيضا من تجربة المنفى التي جدّدت تعابيره وجمالياته وأضافت على مواضيعه المألوفة مواضيع جديدة، كفقدان الوطن الأم وضياع الهوية وتمزّق الأنا، مما أضفى عليه طابعاً شاملاً وإيرانياً في الوقت ذاته، كما يتجلى ذلك بقوة في شعر إسماعيل خوئي.

المصدر : الجزيرة