الفنانون والانتخابات.. حسابات الربح والخسارة
آخر تحديث: 2012/6/10 الساعة 14:00 (مكة المكرمة) الموافق 1433/7/21 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/6/10 الساعة 14:00 (مكة المكرمة) الموافق 1433/7/21 هـ

الفنانون والانتخابات.. حسابات الربح والخسارة

طارق الشناوي
 
يظل الفنانون يحسبون مواقفهم، حتى اللحظة الأخيرة، من خلال مؤشر واحد فقط هو مصلحتهم، فهم يريدون ضمان حماية السلطة أو على الأقل ألا يقعوا فى خصومة معها. أغلب النجوم، حتى الذين شاهدناهم فى صفوف الثوار مع نجاح ثورة 25 يناير، كانوا قبلها مع مبارك يغنون وينافقون، وأيضا يستفيدون من اقترابهم منه، وبعضهم تورط فى الدعاية للعهد البائد على مدى تجاوز عشرين عاما رغم ما يصرحون به الآن.

الموسيقار "عمار الشريعي" مثلا كان قد أدرك بعد جمعة الغضب فى 28 يناير/كانون الثاني 2011 أن مبارك فى طريقه للسقوط، وأنه سوف يصبح تحت مرمى الثوار والقوى الوطنية، باعتباره الأكثر التصاقا بالعهد البائد، فهو أكثر ملحن قدم "أوبريتات" تتغنى باسم مبارك مثل "اخترناه اخترناه" و"النسر المصرى شق السما" وغيرها.

فقد كان هو الملحن "الملاكي" لكل احتفالات أكتوبر، التى اعتبرها مجرد تمجيد لمبارك، وحول هذه الحرب إلى مجرد ضربة جوية أطلقها مبارك، باعتباره قائد الطيران فى حرب 73. وكان الشريعي أيضا هو الملحن الأوحد لكل احتفالات الطفولة، التى كانت تقام تحت رعاية "سوزان مبارك"، ولهذا سارع بالانضمام للثورة وتأييدها حتى يبرئ ساحته من النظام القديم.

عادل إمام كان أيضا من أكثر النجوم، الذين دافعوا عن زمن مبارك، وباركوا مشروع توريث الحكم لابنه جمال، وكان يحرص أن لا يدلي بأي حديث لقناة الجزيرة، كنوع من التأكيد على أنه مع النظام البائد قلبا وقالبا على اعتبار أن النظام يكره هذه القناة ويعتبرها عدوا لدودا لاستقرار مصر، ولكن تغير موقفه 180 درجة أثناء الثورة وحرص على التحدث للجزيرة، ومن خلالها أعلن انضمامه للثورة والثوار.

تخيلوا لو أن هؤلاء الفنانين والمثقفين الذين قابلوا مبارك، رفضوا أن يلعبوا الدور الترفيهي في حضرة الرئيس وأشعروه أنهم مصريون يدركون ما يعانيه أهلها

عدد من النجوم مثل يحيى الفخراني وعزت العلايلي ومحمود ياسين وحسين فهمي ويسرا ومنى زكي ونيللي كريم ومنة شلبي، كانوا قبل خلع مبارك بثلاثة أشهر فقط يجتمعون معه فى بيته من أجل توصيل رسالة للشعب المصري أن الرئيس بصحة جيدة، وأنه لا يزال يمسك بقبضة من حديد على الحكم. 

والحقيقة أيضا أن عددا من المثقفين مثل عبد المعطي حجازي ويوسف القعيد وصلاح عيسى وجابر عصفور وسيد ياسين وخيري شلبى وسامية الساعاتى وغيرهم، لعبوا أيضا نفس الدور فى لقاء ثان تم فى أعقاب لقائه مع الفنانين بأيام قليلة.

أصبح معروفا الآن أن المجلس العسكري -الذى يحكم الدولة حاليا- يدعم الفريق "أحمد شفيق" فى معركة الرئاسة، ولهذا فهو سيحظى بتأييد العدد الأكبر من الفنانين والمثقفين، ولن يذكر أحد أنه يبحث عن حماية السلطة، ولكنهم سوف يقولون إنهم مع من يوفر لهم الحرية، ولهذا توجهوا إلى "شفيق".

واستطاع الفريق "أحمد شفيق" من ناحيته أيضا أن يستقطب أغلب النجوم المصريين إلى صفه، وسارع بالاتصال ببعضهم مثل يسرا وإلهام شاهين وعلا غانم وبوسي ونور الشريف ومعالى زايد وهالة صدقى وعمرو دياب وعمرو سعد وطلعت زكريا، والذين صرحوا بتأييده، بينما الآخرون مثل عادل أمام ومحمود عبد العزيز منحوه أصواتهم منذ الجولة الأولى.

المرشح محمد مرسي لم يحظ بتأييد سوى عدد محدود من الفنانين، خاصة وأن الكل يخشى من تطبيق معايير رقابية دينية مباشرة على الأعمال الفنية. ولو سألت أي فنان عن الأسباب فسوف تجد الإجابة جاهزة: نمنح صوتنا لمن يضمن أن نقدم أغانينا وأفلامنا ومسرحياتنا بدون تدخل رقابي، رغم أن الحقيقة هى أن كلا من شفيق ومرسي سوف يمارسان عليهم رقابة صارمة ولكن بمرجعية مختلفة.

من المؤكد أنه في عهد مرسي إذا وصل إلى السلطة فلن يسمح بمشاهد معينة، بينما شفيق الذى يحظى بتأييد المجلس العسكرى، سيسمح بها بالتأكيد إذا استطاع الفوز بانتخابات الرئاسة، ولكنه لن يتسامح مع أى عمل فني يتناول الثورة وبه إشارة إلى انتقاد المجلس العسكري، كما في فيلم "بعد الموقعة" الذي عرض مؤخرا فى مهرجان "كان"، والذي تضمن لقطة بها يافطة تطالب بإسقاط المشير، ومن الممكن أن تجد فى فيلم آخر يافطة تطالب بإسقاط الفريق واتهامه بالتواطؤ لإجهاض الثورة.

هل سيسمح بذلك؟ أتصوره سوف يسارع على الفور بمجرد تسلمه السلطة أن يصدر تشريعات رقابية لحماية المجلس العسكري تكبل المبدعين وتحول دون اقترابهم من انتقاد المجلس!!

وسوف يمارس الفنانون والمثقفون نفس أسلوبهم فى نفاق السلطة الذى دأبوا عليه. أتذكر أن المذيعة "منى الشاذلي" فى برنامجها "العاشرة مساء" على قناة "دريم" استضافت أحد الكتاب الذي كان ينظر إليه قبل دخوله حظيرة وزير الثقافة المصرى الأسبق "فاروق حسني" باعتبار أنه كاتب ضد السلطة، لم يقل هذا الكاتب كنوع من النفاق سوى أن صالون الرئيس لا يختلف عن أي صالون في بيت متوسط الحال وأن أكواب الشاي التي قدمت لهم من النوع المتواضع القابل للكسر!!

أغلب الفنانين والمثقفين هم الآن مع "شفيق" لأنهم يعتقدون أنه الأقوى، ولو مالت الكفة أثناء العملية الانتخابية إلى "مرسي" فسوف يتوجهون للدعاية له

نعود إلى ماذا لو.. ماذا لو أن النجوم والمثقفين قالوا لمبارك وقتها لماذا زادت معدلات الفقر والتلوث البيئى وأصبحنا نشغل المركز الأول في العالم.. ماذا لو سألوا الرئيس المخلوع عن حقيقة ترشحه لولاية سادسة وحقيقة توريثه الحكم لجمال.. ماذا لو سألوه عن إحساس الناس بغياب العدالة الاجتماعية.. ولو سألوه عن تردى المؤسسات التعليمية والصحية والرقابية والقضائية في بلدنا؟!

تخيلوا لو أن هؤلاء الفنانين والمثقفين رفضوا لعب الدور الترفيهي في حضرة الرئيس، وأشعروه أنهم مصريون يدركون ما يعانيه أهلها، بدلا من أن يصبح الهدف الوحيد من زيارتهم هو أن تصل للناس صورة الرئيس القوى وموفور الصحة، ومن حقه ولاية سادسة أو أن يورث الحكم لابنه لو أراد؟!

لقد حاد أغلب النجوم والمثقفين عن آمال الوطن، لأنهم لم يتجاوزوا أبدا مصالحهم، ولا أعتقد أن هناك شيئا ما قد تغير، فسوف يظل البحث عن حماية يوفرها لهم الحاكم هو الهدف الذي يسعون إليه، ولا يعنيهم شيء آخر، ولهذا أرى أن كفة "شفيق"هى الأرجح، ورغم ذلك فلو فاز "مرسى" فسوف يتوجهون إليه أيضا.

لا أنسى أن "شعبان عبد الرحيم"، وهو أحد مؤيدي شفيق، عندما سئل ماذا لو حكم الإخوان وأنت كنت أكثر مغن قدم صوته لخدمة مبارك في عشرات من الأغاني طوال سنواته العشر الأخيرة، أجابهم: سوف أغني لهم، وإذا لم يعجبهم صوتي فسوف أتعلم تلاوة القرآن.

أغلب الفنانين والمثقفين سوف يقدمون ما تريده السلطة الحاكمة، ولن يكفوا عن نفاقها، طالما أنها تضمن لهم حماية مصالحهم. فهم الآن مع "شفيق" لأنهم يعتقدون أنه الأقوى، ولو مالت الكفة أثناء العملية الإنتخابية إلى "مرسي" فسوف يتوجهون للدعاية له، ولا تتعجب لو توجه بعض المطربين إلى تعلم تلاوة القرآن الكريم!!
_______________
كاتب وناقد فني مصري

المصدر : الجزيرة

التعليقات