واجهة منزل الفنانين أبو حامد بطرازها المعماري القديم في عكا (الجزيرة)
 وديع عواودة-عكا
 
لم تشغل الحياة الزوجية المستمرة منذ ثلاثين عاما آمال وجبر أبو حامد من عكا داخل أراضي 48 عن شغفهما بالفن التشكيلي فوظفا وقتهما وجهدهما ونتاجهما الفني من رسم ونحت لصون الهوية العربية والموروث الإسلامي في مدينة عكا من الطمس والنسيان، وحفظ بعض تراث مدينتهما  بأسابيلها وأسوارها التاريخية.

وسبق للزوجين الفنانين جبر أبو حامد (59 سنة) وقرينته آمال شمّا (54 سنة) أن أقاما عدة عروض فنية مشتركة أبرزها "متحف أمجاد العرب"، الذي شمل أعمالا تشكيلية تروي تاريخ عكا منذ صلاح الدين الأيوبي، وحتى ظاهر العمر الزيداني وتساهم في المحافظة على هويتها العربية.

ويوحي النتاج الغزير والراقي للزوجين الشغوفين بتاريخ عكا وأسابيلها وتراثها بقصة الثنائي إسماعيل شموط وزوجته تمام الأكحل، وقد خلّدا برتقالة يافا بأعمالهما الفنية وأسسا معا للفن التشكيلي الفلسطيني.

آمال أبو حامد في مدخل بيتها في عكا (الجزيرة)

هوية مدينة
وتمتاز رسومات شما بعفويتها وبساطتها، بعيدا عن التكلف والإفراط بالزخرفة، وفيها تصوير لمعالم المدينة، كما تبرز في رسوماتها المرأة الفلسطينية المناضلة جنبا إلى جنب مع الرجل. وفيما تعمل آمال بالفرشاة والألوان، يعمل زوجها، المختص بالزخرفة الإسلامية بالنحت واللوحات المنقوشة على النحاس.

وعن ولادة كتابها الجديد "أسابيل وكيزان" توضح شمّا أن علاقتها الوجدانية مع الأسابيل ترتبط بوالدتها التي كانت تسقيها من ماء السبيل المجاور لبيتها في حي المبلطة في عكا القديمة داخل أراضي 48.

وتشير أنها لاحظت مع الأيام إهمال الأسابيل المنتشرة في أرجاء مدينتها التاريخية (15 سبيلا) واندثار معالمها ولا يختلف حالها في ذلك عن بقية المعالم الحضارية العربية والإسلامية في المدينة نتيجة سياسات التهويد المعتمدة من قبل السلطات الإسرائيلية في المدينة.

والسبيل هو مشرب على شكل تصميم عمراني فوق خزان ماء يزدان بآيات قرآنية وكتابات أخرى ويقام في الأماكن العامة والأحياء وأركان المساجد والمدارس والمقابر والمدارس. ويتكوّن السبيل من حجرة التسبيل وملحقاتها وحجرة المزملاتي المعدة لخادم السبيل والصهريج، أما الكيزان -جمع كوز- فهي الكؤوس التي تستعمل للشرب.

وتؤكد شما أن الأسابيل والآبار كانت بمثابة مقاه وملتقيات شعبية، تلعب دورا اجتماعيا في المدينة أيضا من خلال توفير فرصة اللقاء والتعارف بين الناس. وتستذكر بعض الأمثلة والأغاني الشعبية المرتبطة بالأسابيل منها "عطشان يا صبايا دلوني على السبيل" أو "أنا العطشان مالي شميه إلا عكا".

وأمام عزوف بلدية عكا -التي تتولى شؤونها إدارة إسرائيلية واستنكافها عن ترميم الأسابيل التاريخية باعتبارها من تراث المدينة العربي الإسلامي- بادر أبو محمد لبناء سبيل مقابل بيته يزود العطشى بالماء ولإحياء هذا الجانب من تراث المدينة.

جبر أبو حامد حول منزله إلى متحف يحفظ جانبا من تراث مدينة عكا (الجزيرة)

منزل متحف
ونظرا لعدم توفر الرعاية المؤسساتية لنتاجه الفني، اضطر جبر لبيع قاعة "متحف أمجاد العرب" وتخزين محتوياته في منزله. وداخل إحدى غرفه تعرض "البانوراما الفلسطينية" وهي عبارة عن 13 لوحة نحاسية تروي تاريخ فلسطين من العهدة العمرية حتى النكبة.

أبو حامد، المتشبث بمبادئه وقيمه الإنسانية والذي يمارس الفن من أجل الفن، ولم يسوق نتاجه النادر، حوّل منزله المبني منذ الاستعمار البريطاني لمتحف يحتوي نتاجهما الفني، الذي تتوق إليه متاحف مرموقة، وهو يقول "نحن لا نواجه مخاطر التهويد والأسرلة فحسب، بل يتهددنا إهمالنا لتراثنا وانشغالنا بمصالحنا المادية الراهنة".

وبنى الفنان الذي شارف على الستين "حديقة جبر" في ساحة منزله، الذي تبدو مداخله وكأنها لوحات فسيفسائية بفضل لمساته الفنية المتقنة، وبنى نافورة على الطراز الأندلسي مستوحيا الأسود الحجرية حول نافورة المياه من مسجد الحمراء في غرناطة، وحولها يقضي عادة ساعات سهره.

وطيلة أربع سنوات متتالية وظّف أبو محمد مهاراته لنحت تماثيل حجرية ومعدنية وتحف معمارية فنية مستوحاة من العمارة الإسلامية، والصينية وحتى الروسية وسط أشجار التوت والزيتون والليمون في حديقته، وتشير أعماله الفنية إلى معان، وإشارات وإيحاءات مختلفة أبرزها السلام، وهو يؤكد أنه يعمل على توضيح الوجه الحقيقي للحضارة العربية الإسلامية أمام محاولات وصم أهلها بالإرهاب.

المصدر : الجزيرة