لقطات من الفيلم التسجيلي "نحن هنا" (الجزيرة)
نزار الفراوي-أغادير
 
أطلقت الثورة التونسية حركية جديدة في السينما التسجيلية التونسية على أيدي مخرجين شباب، انتزعوا حق الكلمة وصوبوا أضواء كاميراتهم نحو ظلمات النسيان، التي لفت طويلا عددا من المناطق الهامشية في ظل العهد السابق، كما أعطوا الكلمة لمواطنين يشهدون على زمن التغيير.
 
وحضرت هذه الموجة الجديدة من الأفلام الخارجة من جلباب القمع والمصادرة بقوة ملفتة خلال الدورة الرابعة للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بمدينة أغادير المغربية، التي احتفت بسينما الحراك، بوصفها لسان حال شعوب المنطقة في زمن الربيع العربي.

ومع أن المستوى الفني والجمالي لهذه الأفلام يسجل تفاوتا كبيرا، بالنظر إلى انتماء غالبيتها لتجارب سينمائية فتية وحماسية، فإنها كرست وظيفة حيوية للفيلم التسجيلي باعتباره شهادة فنية حية على واقع ما.

المخرج رضا تليلي أحد وجوه الموجة الجديدة من السينما التونسية (الجزيرة)

سينما واعية
 يمثل رضا تليلي، وهو من مواليد أيقونة الثورة التونسية سيدي بوزيد عام 1977، أحد رموز الموجة الجديدة من سينما واعية بوظيفتها في صنع التغيير الاجتماعي والسياسي وتوسيع نطاق الطلب على الحرية.

هذا الرهان الوظيفي يجعل هذه الموجة تقتصد في البنية التقنية والصناعية وتسعى بحماس إلى تحقيق الفعالية المطلوبة. في فيلمه "ثورة غير دراج"، يوثق رضا حركة مجموعة شبابية تخوض معركة التغيير بوسائلها الخاصة.

جداريات تحمل شعارات محرضة على تجاوز الوضع القائم، وانخراط إلكتروني في شبكات التفاعل مع الناشطين السياسيين. وتبدو الكاميرا في هذا الفيلم  جزءا من المجموعة، تلقائية، تفاعلية ولحظية، مما يضفي على العمل مصداقية كبرى وقوة تأثير سحرية.

وفي فيلم آخر تحت عنوان "جهة"، يقصد رضا تليلي منطقة نائية غنية بموروثها الثقافي غير المادي، من شعر شفهي وغناء تقليدي وفروسية وعادات تكاد تنقرض، غير أنها في المقابل تنتمي إلى المجال المهمش من حضور الدولة ووعود الحداثة، دون أن تبدي رغبة في التنازل عن شخصيتها الحضارية ونمط عيشها البسيط. هنا تضطلع الصورة لدى رضا تليلي بدور الوثيقة الشاهدة ضد الانمحاء والنسيان.

أفلام المخرجين التونسيين الشباب في إطار الموجة الجديدة تحظى بجاذبية شديدة بالنظر لراهنية ثيماتها المتمحورة حول التغيير والحراك والمتسمة بطابع تحريضي توعوي واضح

شهادة فنية
في فيلم "نحن هنا"، ذي العنوان البالغ الدلالة، ينتقل مخرجه عبد الله يحيى إلى قلب أحد الأحياء الشعبية في ضاحية العاصمة تونس. مجال خارج نظام الدولة، ببنيات أساسية شبه منعدمة، وسوق سوداء نشطة لتجارة المخدرات الصلبة التي تخرب شبابا ينحدر من أوساط فقيرة أصلا، وشرائح واسعة من الشباب الذين يعدون الساعات في عتبات البيوت بسبب انعدام فرص الشغل.

يبني عبد الله يحيى حكيه السينمائي على مفارقة سردية مهمة، بين توثيق حالات الضياع وانسداد الآفاق أمام يتامى سياسات النظام السابق، من جهة، وفتح الباب أمام حركة المبادرات الفردية والجماعية المؤمنة بالتغيير من تحت.

عند هذه النقطة يتابع الفيلم مسار طائفتين من الردود الإيجابية تجاه التركة الثقيلة. في نفس الحي، هناك مجموعة شباب موسيقى الراب التي ترفع صوتها ضد الاختلالات وتدعو إلى المبادرة بالتغيير وعدم الاستسلام. وهناك إلى جانبها أيضا مجموعة طلبة مؤسسة ثانوية تقود مبادرة تضامنية مع منطقة حدودية نائية، مع أنهم ينحدرون بدورهم من أسر متواضعة.

يقول عبد الله يحيى، الذي حاز على تنويه من لجنة تحكيم مهرجان أكادير، إن فيلمه "لا يدعي الكمال الفني، بل يحاول أن يكون مقبولا فقط من الناحية التقنية. فالناس لا يذهبون عادة إلى هذه المناطق الخطرة، لذلك ذهبنا هناك لإحضار بعض الصور، واقتراح تفكير جماعي حول الموضوع. لا أكثر ولا أقل".

وإذا كانت أفلام هذه الفئة من المخرجين الشباب في إطار الموجة الجديدة تحظى بجاذبية شديدة بالنظر لراهنية ثيماتها المتمحورة حول التغيير والحراك والمتسمة بطابع تحريضي توعوي واضح، الأمر الذي يمكنها من التنقل بسهولة بين المهرجانات الإقليمية والدولية، فإن الطريق ما زال طويلا حتى تكتمل ملامح هذه التجربة الجديدة التي تثري ولا تلغي الرصيد الهام لمخرجي تونس المخضرمين الذين قاوموا الاستبداد السياسي بطريقتهم الخاصة وما زالت قدرتهم على العطاء مستمرة.

المصدر : الجزيرة