يوسف ضمرة
 
في جرد حساب لعدد المهرجانات والملتقيات والندوات الأدبية العربية والجوائز المجزية ماديا على مدار السنة، نخرج بانطباع يفرح القلب، فلا نظن أن هنالك من يضاهينا في العالم على هذا الصعيد. ولكننا حين نعرف أن عدد الأميين الذين لا يفكّون الخط -كما يقال- يبلغ سبعين مليون مواطن عربي،  ناهيك عن الأميين الآخرين الذين يعادلون هذا الرقم أو يزيدون نصاب بخيبة كبيرة.

ولو أضفنا آخر ما عرفناه من أرقام تتعلق بالقراءة في العالم عامة، والعالم العربي خاصة، وهو أن معدل المواطن العربي مجرد صفحتين سنويا، لاشتعلت الخيبة نارا في الصدور، ولتساءلنا عن مدى جدوى هذه الملتقيات والمهرجانات والندوات الأدبية، ناهيك عن عدد المطبوعات الأدبية المنتشرة عربيا وعالميا، التي تمول بعضها مؤسسات رسمية، وتمول البعض الآخر منظمات وجهات معروفة أو غامضة.

نحن نعرف أن الكاتب العربي غير الجماهيري، يطبع من كتابه ألف نسخة، يوزع الغالبية العظمى منها مجانا على الأصدقاء والزملاء والأقارب. ثم تتوارى بعض النسخ وراء الكتب على رفوف بعض المكتبات العامة. وأقول بعض، لأن من النادر أن تجد كتابا لهؤلاء الكتاب في هذه المكتبات أصلا.

يظل الأدب ضروريا، لأنه الوسيلة الوحيدة الكفيلة بالكشف عن وجوه الحياة المتعددة. وهو الطريق الرئيس إلى معرفة الجوهر الإنساني

وحين يتحمس أستاذ جامعي، وينصح طلبة الدراسات العليا بالكتابة عن كاتب محلي، فإن هؤلاء الطلبة لا يجدون أمامهم سوى الكاتب نفسه، لأنهم لم يقرؤوا كتّابهم من قبل، وغالبا لم يسمعوا بأسمائهم. وإذا كانت الحال كذلك، فالسؤال الدائم عن جدوى الكتابة يبقى قائما، وإنْ كان رفض الاستسلام للأمر الواقع مبدأً ثابتا.

والمسألة لا تتعلق بظاهرة ثانوية أو عابرة، مقدار تعلقها ببنية ثقافية قائمة، بل وذاهبة في المدى المنظور إلى ما هو أقسى وأشد مرارة مما هي عليه الآن. وهي ليست جديدة أيضا، لكي يقال إن استخدام التقانة الحديثة، ووسائل الاتصال السريعة، كانت سببا في ذلك. فالأمية واحدة من العقبات الكبرى التي تحد من انتشار وسائل الاتصال الحديثة أيضا. فلمن يكتب الأدباء والشعراء العرب إذًا؟

ثمة بعض الكتاب والأدباء والشعراء الذين تمكنوا من خرق جدار "الأمية الأدبية" في العالم العربي، ولكنهم قليلون جدا بالقياس مع جيش من الكتاب والأدباء والشعراء العرب. وحتى هؤلاء النجوم، لا نستطيع القول إنهم أصبحوا كتابا جماهيريين، إذا ما أخذنا في الاعتبار ماهية الجمهور الذي يمد إليهم اليد.

لكن هذه السوداوية كلها، لن تغير في اقتناعاتنا الراسخة القائلة بضرورة الأدب. فنحن نتحدث عن نوع من الكتابة لم يكن يوما نوعا جماهيريا بالمطلق. وقراء الأدب هم في الأصل شرائح اجتماعية معنية بأسئلة الأدب والقيم التي يتناولها، والأفكار التي يطرحها. وهم الناس المعنيون بالمعرفة الضرورية لتصحيح الاختلالات البنيوية. وهم وإن قلّ عددهم -وكان على الدوام محدودا- غالبا ما يشكلون النخب الثقافية والسياسية القائدة شعبيا، على الرغم من التبدلات التي تحدث في مواقف البعض بين حين وآخر.

بهذا المعنى يظل الأدب ضروريا، لأنه الوسيلة الوحيدة الكفيلة بالكشف عن وجوه الحياة المتعددة. وهو الطريق الرئيس إلى معرفة الجوهر الإنساني، وهتك غموضه المخاتل. ولكن، لماذا الأدب تحديدا دون سواه من أنماط الكتابة؟

ثمة علماء ومختصون في الإعلام ووسائل الاتصال يقسمون هذه الوسائل إلى ساخنة وأخرى باردة. وتأتي اللغة المكتوبة ضمن الوسائل الساخنة. والفارق -عندهم بالطبع- هو أن الوسائل الساخنة لا تترك فراغات في النص أو الخطاب، وبالتالي فهي ليست في حاجة إلى إشراك الكاتب في محاولة فك الشيفرة في الرسالة المنقولة. وهذا تصنيف ينطوي على كثير من السذاجة، لأن وسائل الاتصال الأخرى -كالهاتف مثلا- التي يدعي هؤلاء المنظرون انتماءها إلى الوسائل الباردة، هي تماما على عكس ذلك.

هنالك وعي الكاتب وقلقه وشكوكه وأسئلته، وعي المتلقي وقلقه وشكوكه، وهنالك أسئلة الطرفين، ولكن هنالك إجابات قد تكون متباينة، مما يعني إثراء للوعي نفسه

فغالبا ما يتم نقل الرسالة عبر الهاتف واضحة لأنها تأتي في سياق محدد. لكن الكتاب، والأدبي بالذات، هو الذي ينطوي على فراغات هائلة، وعلى عبارات ونصوص مسكوت عنها، وعلى أفكار ومفاهيم تحتاج إلى تفكير ومساءلة.

ومن هنا جاء قول الماركسيين: إن الأدب هو أرقى أشكال الوعي الاجتماعي. والوعي هنا هو ما قصده ماركس من أنه يتحدد بالحياة، وليس الذي يحدد الحياة.

ويمكن التوقف قليلا هنا للإشارة إلى أن ماركس يعتبر المجتمع هو البنية الأساسية لا الفرد ولا النزعة الفردية، وأن كل ما ينتجه المجتمع والتغيرات التي تحدث فيه، هو الذي يؤثر في وعي الفرد للحياة. وهذا ما يحتاج إلى وقفة في سياق آخر، لما قد ينطوي عليه من مصادرة النزعة الفردية التي نادى بها ماكس فيبر.

إن الأدب رسالة لا تنطوي على خطاب جامد أو تقريري مباشر، ولكنه محاولة لفهم العالم والوجود بقضاياه الراهنة والمطلقة. وعلى هذا الأساس فإنه لا بد من استخدام العلوم الفلسفية في محاولة فك شيفرات الرسائل التي يحاول الأدب توصيلها. وهذه الرسائل تتعين غالبا في الشك المتجلي في الأسئلة والمساءلة واستجواب الواقع.

ولأنه لا أحد يمكنه الجزم بامتلاك الحقائق المطلقة في أي شأن أو أمر، فإن الرسائل التي ينطوي عليها الخطاب الأدبي في النص، تحتاج إلى جهد القارئ، المستقبِل، الذي ينبغي له توظيف وعيه -بصرف النظر عن معنى الوعي هنا- أعني سواء كان بالمفهوم الماركسي أم سواه، لكي يحاول الإجابة عن أسئلة الخطاب في النص، لرؤية ما لم يكن ممكنا من قبل، ولمحاولة فهم ما لم يكن قابلا للفهم والإدراك قبل ذلك.

يكون الأدب بهذا المعنى أشبه بحلقة دراسية وبحثية يشترك فيها أكثر من عامل وعنصر. فهنالك وعي الكاتب وقلقه وشكوكه وأسئلته، وهنالك وعي المتلقي وقلقه وشكوكه، وهنالك أسئلة الطرفين، ولكن هنالك إجابات قد تكون متباينة، وهو ما يعني إثراء للوعي نفسه.

وبالعودة إلى أرقامنا السالفة الذكر عن الأمية وقلة القراءة، فإننا نؤكد أن قراءة الأدب تظل ضرورية لنخبة من أفراد المجتمع، وهي النخبة المعنية بفهم آليات التغيير الاجتماعي وتوقيتها، ووسائل إنجاحها. وهذه النخبة ستظل على الدوام موجودة وضرورية في المجتمعات كلها، مما يعني أن الأدب سيظل محافظا على قيمته ومكانته، بصرف النظر عن كل ما سبق.

المصدر : الجزيرة