جانب من الحضور بإحدى الفعاليات الثقافية بساحة السراغنة (الجزيرة)
إبراهيم الحجري-الدار البيضاء
 
تعد ساحة السراغنة بالدار البيضاء من الساحات العريقة والأثيرة في ذاكرة سكان الدار البيضاء  والمغاربة عامة، شأنها في ذلك شأن ساحة "جامع الفنا" بمراكش، وساحة "بوجلود" بفاس، وساحة "باب الأحد بالرباط"، وساحة "السّوق الداخل" بطنجة وغيرها. هذه الساحة الشهيرة التي يؤمها آلاف الناس تحولت إلى فضاء للمعرفة والفعاليات الثقافية المتنوعة.
 
وتحتفظ "السراغنة" بذكريات كثيرة حول صراع السكان المحليين مع المستعمر، ونضالهم من أجل بناء وطن حر بعد الاستقلال. وباتت ساحة يقصدها الناس من جميع المستويات الاجتماعية لقضاء مآرب متعددة، كالتسوق والبيع والتجول والتسلية.
 
ولرد الاعتبار الثقافي والرمزي لساحة السراغنة، تكاثفت جهود مجموعة من الجمعيات والفعاليات الثقافية والمثقفين الذين يرتادون هذا الفضاء بشكل يومي لإنقاذه من الهجوم العشوائي للأسمنت المسلح، والتجار المتجولين. وانطلق مشروع إقامة ورشات وتظاهرات معرفية وثقافية بهذه الساحة، وتطورت الفكرة لتكبر سنويا، وينتشر صيتها في البلاد، وتصبح مقصدا للمثقفين والكتاب من كل المدن المغربية، للمشاركة في أنشطة الساحة التي تستمر شهرا كاملا.
 
بوشعيب الساوري: المشروع جاء من منطلق غيرة الكتاب والمثقفين على القيمة التاريخية للساحة (الجزيرة)
تسويق الثقافة
ويؤكد بوشعيب الساوري، أحد المساهمين في خلق هذا الحراك في الساحة، للجزيرة نت، أن المشروع جاء من منطلق الغيرة التي يستشعرها الكتاب والمؤلفون والناشطون في الجمعيات إزاء تراجع القيمة الرمزية للساحة.

ويضيف "قررنا أن نحول جزءا من هذا الفضاء الشاسع الذي يؤمه الآلاف من سكان الدار البيضاء للفرجة والتسوق وتمضية الوقت في مقاهيه والثرثرة إلى فضاء للمعرفة وترويج الكتاب. ومع التركم والتطور الذي حققه هذا المشروع، تزايد الإقبال عليه، واتسعت دائرة المساهمين والمشاركين فيه".

فضاء ساحة السراغنة بشكله الجديد يألفه الرواد ويستأنسون به تدريجيا، بل وينخرطون في الأنشطة الثقافية الموازية لمعرض الكتاب المستعمل. كما نشأ عن هذا التراكم إطار سمي "الجمعية البيضاوية للكتبيين" التي ستسهر على تنظيم المعرض وتسطير البرامج الثقافية، والبحث عن المساهمين والشركاء.

وفي إطار التظاهرات احتضن فضاء ساحة السراغنة معرضا للكتاب المستعمل في دورته الخامسة،  يستمر طيلة شهر، تحت شعار "مستقبل الثقافة العربية"، كما استقبلت خيمة العروض أنشطة ثقافية ساهم فيها كل من جامعة المبدعين المغاربة والصالون الأدبي ومختبر السرديات، وجمعية معرض الكتاب بدرب السلطان، ونادي القلم المغربي، وبيت الأدب المغربي، والجمعية المغربية للغويين والمبدعين.

كما حفل الفضاء بعدد من عارضي الكتب الذين قدموا من الدار البيضاء والمدن المغربية المجاورة لعرض ذخائرهم من الكتب وبيعها بأسعار رمزية، بما فيها كتب نفدت من السوق. وأصر المنظمون على أن يقتحم الكتاب هذا الفضاء الضاج بالآلاف المتسوقين والذي يعد كتاب أو ندوة ثقافية ربما آخر اهتماماتهم.

وفي الساحة المكتظة، يجاور عارضو الكتب بائعي الخرداوات والساندويتشات والملابس والأقراص المدمجة وغيرهم، ويثير فضول الناس هذه البضاعة الوافدة الجديدة والغريبة عن ميولهم ومقتنياتهم، لكنهم راحوا يتفحصونها ويتأملونها لإشفاء غليلهم منها حتى لو كانوا أميين.

أصحاب المكتبات والعارضون لا يخفون سعادتهم للرواج الحاصل في سوق الكتاب بالساحة وارتفاع نسبة المبيعات دورة بعد أخرى

أنشطة متعددة
ويتاح للشغوفين بالقراءة اقتناء نسخ نادرة من دواوين وروايات ومجموعات قصصية في طبعاتها الأولى بعد أن نفدت تماما من السوق. وتنوعت هذه الكتب بين شتى صنوف الإبداع  الأدبي، ففضلا عن الكتاب التراثي والمدرسي والكتب الدينية وكتب الأطفال تعرض أيضا الموسوعات والمعاجم بكل اللغات.

أصحاب المكتبات والعارضون لا يخفون سعادتهم للرواج الحاصل في سوق الكتاب بالساحة وارتفاع نسبة المبيعات دورة بعد أخرى، وهو ما يشجع عارضين جددا على الالتفاف حول المعرض في دوراته القادمة، خاصة وأن المنظمين يراهنون على المزيد من الشركاء، ممن يعنيهم الشأن الثقافي ورمزية الساحة العتيقة.

واستقبلت خيمة العروض برنامجا موازيا من الأنشطة تضمن توقيعات لكتب جديدة، ولقاءات مع باحثين وكتاب وفنانين، وقراءات قصصية وشعرية، وتكريمات لمبدعين ساهموا في تخليد ذاكرة المكان، وندوات حول أسئلة الثقافة المغربية الجديدة.

كما تم تسليط الضوء على المؤلفات التي تحتفي بفضاء الدار البيضاء عامة، وساحة السراغنة تحديدا. وتم الاحتفاء أيضا بقصائد الشعراء الشهداء ممن سقطوا دفاعا عن الحريات، وتأسيسا لكرامة المواطن بأصوات مبدعين شباب من الجيل الجديد.

ومن أهم الندوات التي أقيمت بالساحة "الجمعيات الثقافية وتجربة النشر الجماعي"، "جمالية التلقي وتمظهرات القول الأدبي" و"الترجمة والأدب: قراءات في مؤلفات النقاد: عبد الكبير الشرقاوي، حسن بحراوي، السعيد بوطاجين ، فاتحة الطايب". كما تم توقيع الكتب الجديدة لعدد من الكتاب.

ولم يخل البرنامج من لقاءات مع كتاب مغاربة من كل المدن منهم: الروائي عمرو القاضي حول روايته الفائزة بجائزة المغرب للكتاب دورة 2012، القاصة مليكة نجيب حول تجربتها القصصية، لقاء مع بعض الناشرين المغاربة وتكريمهم.

المصدر : الجزيرة