هنري ليفي (الخامس من اليمين)  خلال مؤتمر حول فيلمه "قسم طبرق" في كان (الأوروبية)
طارق الشناوي
 
مهرجان كان أول مهرجان عالمي أعلن منذ دورة العام الماضي تأييده لثورات الربيع العربي، بعرض أفلام من مصر وتونس، وذلك عندما عرض أفلام "18 يوم" و"صرخة نملة" من مصر، و"لاخوف بعد اليوم" من تونس. وبغض النظر عن تواضع مستوى الأفلام فنيا، فإن التوجه الفكري في الأفلام التي تناولت الربيع العربي لا يمكن إغفاله.

تستطيع أن ترى في اختيار المهرجان لفيلم يسرى نصرالله "عد الموقعة" في هذه الدورة داخل المسابقة الرسمية نوعا من تكريم الثورة المصرية، بعيدا عن اللغط الذي أثير عن الاتفاق على عرض الفيلم في إسرائيل، وهو ما نفاه مخرج الفيلم، مؤكدا أن الجانب الفرنسي المشارك في الإنتاج ويمثله اليهودي المتعصب جورج مارك بينامو، لا يملك حق العرض في إسرائيل إلا بموافقة شركة الإنتاج المصرية، برغم أن أكثر من جريدة إسرائيلية أشارت إلى اقتراب عرض الفيلم في تل أبيب. وعلينا -على الأقل حتى الآن- أن نصدق مخرج الفيلم.

ولم يتبدد الخوف من وجود أطراف منحازة لإسرائيل في أفلام  ثورات الربيع  العربي، حيث شاهدنا قبل ختام المهرجان بيومين فقط عرض الفيلم التسجيلي الطويل "قَسم طبرق" للمفكر والمخرج الفرنسي الإسرائيلي برنار هنرى ليفي، المعروف بانحيازه للمشروع الصهيوني.

ولم يكتف المهرجان بعرض الفيلم -الذي لم يكن مبرمجا منذ البداية- بل أقام له احتفالية، واصطحب مدير المهرجان ليفي في لقاء على مسرح سينما تحمل اسم "60" مخصصة للتكريم، وكان مع المخرج بعض الرجال الملثمين، قال ليفي إنهم من رجال المقاومة السورية. الفيلم يتناول الثورة الليبية والمخرج يقدم نفسه باعتباره قائدا للثورات العربية.

برنار هنري ليفي (يمين) يصطحب معه أحد الثوار السوريين خلال مهرجان كان (الأوروبية)

قسم طبرق
تتأكد وأنت تشاهد الفيلم أن الثورات ما كان لها أن تقوم لولا أن ليفي كان خلفها، مشجعا ومؤازرا ومخططا وقائدا. من حسن الحظ أن ليفي هذا، بالرغم من أنه كان موجودا أثناء الثورة المصرية في ميدان التحرير، كما ذكر في فيلم "قسم طبرق"، إلا أن قنوات فضائية عربية شهيرة رفضت أن تسجل مع المفكر والمخرج، الذي يقدم  نفسه في الفيلم باعتباره مناضلا عالميا، وكأنه تشي غيفارا ينتقل من بنغلاديش إلى البوسنة إلى أفغانستان ثم ليبيا.

برنار هنري ليفي اليهودي الفرنسي الجنسية الجزائري الجذور، متعصب للمشروع الإسرائيلي، فهو القائل إن الجولان أرض مقدسة، وإن كان في المؤتمر الصحفي الذي سبق عرض الفيلم تراجع عن هذا الرأي، وهو يرى أن ثورات الربيع العربي حملت لإسرائيل أكبر هدية تنتظرها.

ما حدث في هذه الدورة من مهرجان كان تجعلنا نفكر عشرات المرات في عمق هذه المواقف وإلى أي مدى تعبر عن قناعة حقيقة. الفيلم عرض في إطار تكريم الثورة الليبية، والتمهيد لمؤازرة الثورة السورية ولكن كل تفاصيل الفيلم تؤكد أن المقصود هو تكريم ليفي والإشادة بموقفه في ثورات الربيع!!

كيف نصدق أن أستاذا وفيلسوفا ومقربا من نيكولا ساركوزي وبنيامين نتنياهو، ومرشحا لرئاسة إسرائيل، من الممكن أن يحمل أي مشاعر إيجابية تجاه قضايا العرب؟! لاشك أنها حالة من الالتباس أثارها مهرجان كان بعرضه لهذا الفيلم في إطار تكريمه للثورات العربية وللإنسان العربي!!

ورغم الهالة التي أحيطت بالفيلم الوثائقي لهنري ليفي فالحقيقة أن السينما وجدت بقوة في المهرجان عبر أكثر من فيلم في قسم "نظرة ما"، وهو الذي يلي في الأهمية المسابقة الرسمية. كان الموعد مع الفيلم المغربي "خيول الله" للمخرج نبيل عيوش، وبمجرد انتهاء العرض ضجت القاعة بالتصفيق.

السينما العربية التي خرجت من كل المسابقات بلا جوائز لم يكن يعنيها على ما يبدو سوى تقديم ما يعتقد أنه يريح ذائقة المتفرج الغربى

نمطية الرؤية
الفيلم يدين الإرهاب المسلح، الذي يتقنع بقناع الدين ويعيد إلينا أسلوب "غسل الأدمغة" الذي تنتهجه الجماعات المتطرفة، حيث يصبح أسامة بن لادن وأفكاره هو النموذج الذي يحتذى، ونرى الإسلام مرادفا ومعبرا عن الإرهاب المسلح.

تلك هي العين الأجنبية التي ترى حال الإسلام في العالم العربي، وأتصور أيضا أن هذه الرؤية تريح المتفرج الغربي، الذي يبدو وكأنه مهيأ لكي يتعامل بتلك النمطية مع الشخصيات العربية، حيث باتت العديد من الأفلام وكأنها تُقدم ما يمكن اعتباره ستريو تايب أو "كليشيه" عن الإسلام.

الإرهاب الذي تجسده مثل هذه الأفلام أراه في جانب كبير منه يرسخ الفكرة الخاطئة التي يعتقدها الغرب عن طبيعة الدين الإسلامي، الذي مع الأسف ساهمت العديد من الفضائيات العربية بكثرة تقديمها لمشاهد الذبح التى يمارسها الإسلاميون على تأكيد تلك الصورة.

قبل فيلم نبيل عيوش بساعات قليلة كان الموعد مع الفيلم الجزائري "التائب" أخرجه مرزاق علواش المشارك في تظاهرة "أسبوعي المخرجين"، وهو أيضا يتناول "العشرية السوداء" في الجزائر، وكيف أن العفو الذي أصدره الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة طالبا منهم العودة لبيوتهم لم يحقق الهدف، وهو إيقاف الإرهاب فلا يزال الجبل محملا بهم وبطل الفيلم الذى عاد لم يتوقف عن ممارسة الإرهاب.

شخصية المسلم، الذي يوصم بالإرهاب تشغل بالتأكيد الثقافة الغربية وتحتل مساحة كبيرة في مهرجاناتها، وهناك ارتياح لهذه الصورة النمطية المكرسة، ولكن ننتظر من مخرجينا نوعيات أخرى تتغلغل أكثر وتحلل بعمق أكبر تلك الشخصيات التي لا نستطيع أن ننكر وجودها، ولكن حضورها السينمائي بات مكررا على الشاشات، وينتقل من عمل فني إلى آخر.

الإرهاب المسلح باسم الدين لم يختف بالطبع من العالم العربي، ولكننا بحاجة إلى رؤية أكثر واقعية وعمقا، لا تبيع نفس البضاعة من مهرجان دولي إلى مهرجان آخر، والسينما العربية التي خرجت من كل المسابقات بلا جوائز لم يكن يعنيها، على ما يبدو، سوى تقديم ما يعتقد أنه يريح ذائقة المتفرج الغربى.
_____________
كاتب وناقد سينمائي مصري

المصدر : الجزيرة