بعض المواقع الأثرية في مدينة بابل مهددة بالتخريب بفعل مدّ خط لأنابيب النفط (الأوروبية)
 
في مدينة بابل القديمة التي كانت في وقت من الأوقات مهدا للحدائق المعلقة الخلابة، يشق خط لأنابيب النفط طريقه وسط القاذورات، كاشفا عن معضلة بين أولويات الحفاظ على تراث العراق وثروته التاريخية أو تطوير ثروته النفطية المستقبلية.
 
وستتكشف الإجابة على الأرجح بعد عشرات السنين، لكن الأسبقية في الوقت الحالي على ما يبدو للنفط في بلاد ما بين النهرين العتيقة، التي تمسك بمفاتيح كثيرة لتاريخ الحضارة، ويقول البعض إنها كانت مهد الكتابة والزراعة والقانون المدون. وتعد الآثار مدعاة للفخر بالنسبة للعراقيين، لكنهم يفاخرون أيضا بالثروة التي تعود على بلادهم من النفط.
 
الجدل ما بين وزارتي النفط والسياحة والآثار على أشده، وقد أقامت الأخيرة دعوى قضائية لمحاولة إنقاذ السور الخارجي للمدينة الأثرية من أعمال تخريب متوقعة بفعل عزم وزارة النفط مدَّ خط أنابيب للنفط قد يخترق جدار قلعة بابل.
سور مدينة بابل الأصلي كما يبدو في متحف برلين (الجزيرة)

النفط والآثار
وبذلت مريم عمران موسى التي تدير موقع بابل لصالح الهيئة العامة  للآثار والتراث جهدا كبيرا من أجل تغيير مسار خط أنابيب بابل، لكنها فشلت وتقاضي الآن الوزارة. وتصر وزارة النفط على أنها تكبدت مشقة العمل بوتيرة بطيئة لكي تحمي الكنوز غير المكتشفة، وأن عملها اقتصر على المنطقة الواقعة بين الأسوار الخارجية والداخلية للموقع.

وتتعهد منذ ذلك الحين بنقل مسار الخط بعيدا عن بابل إذا ما وجدت مسارا جديدا، وهو تعهد يجد حتى خبراء النفط صعوبة في تصديقه بعد مدّ خط الأنابيب بالفعل. وقالت موسى "النفط والآثار كلاهما ثروة وطنية، لكن رأيي هو أنه عندما ينفد النفط فستبقى الآثار. هذا انتهاك للآثار لأنه حتى المركبة الثقيلة التي تسير هناك تعتبر خرقا، فما بالكم بمد خط للأنابيب".

ويحوّل خبراء الآثار حاليا اهتمامهم لمواقع أخرى، ويحدوهم الأمل في تحديد وحماية ما يصل إلى عشرين ألف موقع، قبل أن تدمرها الهيئات الحكومية التي تحاول إعادة بناء اقتصاد دمرته سنوات من الحرب والعقوبات.

وجرى اكتشاف نحو 12 ألف موقع أثري حتى الآن، سبعمائة منها في بغداد وحدها، لكن مسؤولي الآثار يقولون إنها تعرضت لحملات تدمير منتظمة. ولا يبدي رئيس هيئة آثار بغداد نوري كاظم تفاؤلا إزاء إيلاء الحكومة الآثار الاهتمام الذي تستحقه بالنظر لأولوياتها الأخرى، وقال "مشروعات الحكومة لن تتوقف، بل على العكس ستزيد. أتوقع حدوث انتهاكات كثيرة إذا لم تصدر تعليمات من الحكومة تطالب بالتوصل لاتفاق مع هيئة الآثار قبل البدء في هذه المشروعات".

وتقول وزارة النفط إن مشروعات خطوط الأنابيب ضرورية لدعم هدف البلاد كي تصبح قوة نفطية عالمية إلى جانب السعودية وروسيا، ويهدف خط بابل -الذي يدخل الخدمة في يونيو/حزيران- إلى استكمال خطين للأنابيب إلى بغداد حالتهما سيئة، نظرا لتقادمهما. وينقل الخط نحو 45 ألف برميل من النفط يوميا من البصرة في الجنوب إلى العاصمة للاستهلاك المحلي.

قيس حسين رشيد: المواقع الأثرية في العراق تعاني من أنواع مختلفة من الانتهاكات بسبب ضعف الحماية ونقص الدعم من الحكومة

نعمة أم نقمة
ويرى عراقيون مثل المحلل النفطي حمزة الجواهري أن على خبراء الآثار إيلاء إعادة بناء البنية الأساسية المدمرة نفس القدر من الاهتمام بالآثار في بلد يحفل بالمواقع الأثرية. وقال "أعتقد أن هذه الحملات يمكن أن تعرقل التنمية علاوة على ذلك، فإن العراق كله يحتوي على آثار. فهل يعني هذا أن نوقف إعادة البناء".

وتعتبر كثرة عدد المواقع الأثرية وانتشارها في كل مكان مسألة مثبطة للهمة بالنسبة للأثريين أيضا. ويقول رئيس الهيئة العامة للآثار والتراث قيس حسين رشيد إن الهيئة تحتاج إلى 17 ألف حارس جديد و750 خبيرا للآثار بالإضافة إلى "جيش" من القانونيين للحؤول دون إقامة المشروعات النفطية
والاستثمارية الأخرى.

ويضيف رشيد "لدينا آثار في كل قرية وبلدة، وهذا يضعنا دائما في موقف الدفاع عندما نواجه الجهل الذي نجده أحيانا بين الناس وكذلك المشروعات الاستثمارية، فالمواقع الأثرية في العراق تعاني من أنواع مختلفة من الانتهاكات بسبب ضعف الحماية ونقص الدعم من الحكومة وتراجع هذا القطاع بين أولويات الدولة".

وتقول وزارة النفط إنها طلبت من هيئة الآثار أن تساعدها في خط الأنابيب، لكنها رفضت. وقال عاصم جهاد المتحدث باسم الوزارة "نحن حريصون تماما على الحفاظ على آثار العراق، لكن عندما تنشأ أزمة نفطية فمن سيتحمل المسؤولية، هيئة الآثار والتراث؟ هذه مشروعات تصب في المصلحة الوطنية".

واعترف كاظم من هيئة آثار بغداد على مضض بأن ثروة البلاد من التراث ربما تكون جزءا من المشكلة، وأضاف "أحيانا يكون لدى الشخص كثير من القمصان والسراويل لا يعتني بها، وعندما يكون لديه قميص واحد فسيغسله ويكويه بعناية".

المصدر : رويترز