ملصق فيلم "تالة عصيان أبدي" للمخرج عادل بكري (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
في ساعة وأربعين دقيقة تقريبا، يرصد الفيلم الوثائقي "تالة عصيان أبدي" للمخرج التونسي المقيم في إيطاليا عادل بكري خفقة من خفقات الثورة التونسية، وفي نفس ملحمي يمضي الفيلم ليسجل تلك الثورة الرائدة، من خلال مدينة عريقة مهمّشة تهمتها الوحيدة هي إرادة الحرية.
 
يبدأ الفيلم بنص على لسان "تالة" تذكّر بتاريخها الطويل مع العصيان وعلى صوت "سمير شقير" تمضي المدينة الجريحة ترحّب على طريقة البدو بقافلة الاعتراف التي خرجت من تونس العاصمة لتقول شكرا لتالة، التي قدّمت أول شهيد للثورة التونسية وهو "مروان الجملي"، والتي لولاها لما وصلت الانتفاضة إلى شارع الحبيب بورقيبة بتونس.
 
يبدو إيقاع الفيلم مثل طبيعة غاضبة حينا، هائجا مثل عيون "تالة" ووديانها، وتارة هادئا كما الصفاء والبراءة في عيون الأطفال، ويختطف الكلمة أحيانا الزائر العائد من روما البعيدة إلى تالة الرابضة في أعالي الجغرافيا وفي "لا عدل التاريخ" كما يصفها، ليتعانق صوت الذات المخرجة مع صوت المدينة وكأن بالمخرج يقول إنني وتالة واحد.
 
وتندلع بعد ذلك هتافات الجماهير الغاضبة تردد شعارات الاحتجاج التي ظهرت أثناء الانتفاضة في "تالة" والتي رحّلت وهُرّبت لتصل إلى كل مدن تونس، بل حتى إلى ليبيا لترفع شعارات هناك تندد بالدكتاتور.
 
لقطة من فيلم "تالة عصيان أبدي" (الجزيرة)
الشاعر والثائر
في الفيلم طغى الشعر على الخلفية الصوتية إلى جانب الموسيقى، واستعان المخرج بقصائد من الفصحى ومن العامية ليرفع ملحمة شعرية ترافق تلك الملحمة التي يصنعها الشعب والتي تؤكدها تلك المشاهد من كل مراحل الثورة التونسية من ناحية والمشاهد التي تجسد معاناة شعب تالة العنيد، والصامد في وجه الدكتاتوريات عبر تاريخها الطويل.

وحضرت قصائد محمود درويش ومعين بسيسو وبلقاسم اليعقوبي ونزار قباني وصلاح بن عياد وعبد الجبار العش وبابلو نيرودا. وكأن المخرج بذلك الحضور الهام للشعر والشعراء يرد على من اتهم المثقفين العرب بالصمت وخذلان شعوبهم وأن هذه الانتفاضات كانت عفوية ولا تستند إلى أي إرث ثقافي.

هذه الاختيارات المتنوعة لحساسيات شعرية مختلفة ولأجيال مختلفة مشرقا ومغربا، تؤكد أن المثقف والفنان كان حاضرا دائما وشاهدا وموثّقا ومحفزا لكل الانتفاضات العربية الماضية وقائدا لفعل الاحتجاج، وهو بذلك يجذّر تجربته السينمائية في خصوصيتها التي نحتها منذ بداياته إما من خلال شعرية الصورة أو من خلال حضور الشعر كمادة رئيسة في الفيلم.

وتعمد بكري -الذي شارك كممثل في عدد من الأفلام العالمية من بينها " آلام المسيح" لميل غيبسون- أن يجعل الكاميرا تصغي لصوت الشاعر الثائر ولصوت أم الشهيد وللجريح وللثائر المغدور، عدسة منصتة تتواطأ مع النشيد القديم: "إذا الشعب يوما أراد الحياة...".

ويقسم بكري عمله إلى ثلاثة أقسام: قسم توثيقي للأحداث في دمويتها، والتي ترصد حركة الشوارع الغاضبة وسقوط القتلى وجنازاتهم، وصوت الرصاص المدوّي فوق رؤوس العزّل المنتفضين، وقسم آخر لتالة الطبيعة والجغرافيا والتاريخ وتالة المواطنين المسالمين في عصيانهم وبساطتهم وصبرهم، وقسم آخر روبورتاجي تنصت فيه الكاميرا لهدير الحزن من حناجر الملسوعين من عائلات الشهداء.

ثم قام المخرج بخلط أوراق هذه المشاهد وفق رؤية جمالية خاصة تنتصر لجبروت الصورة وصخبها وكأنه بذلك يدعم فكرة الانتفاضة المفتوحة التي طالما ردّدها. فجاء الفيلم صاخبا صارخا بالحزن، وبحالة اللايقين التي يعيشها أهالي مدينة ملعونة في كل الأنظمة وأبية في عصيانها.

عادل بكري عاد إلى مدينته الأم "تالة" ليسجل الأحداث التي جدت بها خلال الثورة (الجزيرة)

قصة مدينة
ويعد المخرج عادل بكري واحدا من السينمائيين التونسيين الذين اختاروا أن يراهنوا منذ سنوات على الاختلاف، وأن يقطعوا مع الطرق التي خطّها أرباب السينما في تونس وسارت على نهجهم الأجيال اللاحقة ركضا وراء الدعم الحكومي أو الأجنبي، فقدم تجارب سينمائية وثائقية تنتصر للجمالي وترفع الفكرة العميقة والنبيلة قيمة ثابتة ورهانا سينمائيا منها "سأصير شاعرا " و"ريح الشهوات" و"تالة عصيان أبدي".

بقي صاحب "ريح الشهوات" رغم اشتغاله بالسينما والتلفزيون منذ سنوات بإيطاليا وتونس ممثلا ومخرجا مشدودا إلى عالم الأدب، يبحث بين الحين والآخر عن نص أدبي ليقوم بتحويله إلى عمل سينما، أو ملاحقة سير الشعراء والأدباء، كما فعل في فيلمه "سأصير شاعرا" مع الشاعر والروائي عبد الجبار العش صاحب ديوان "جلنار"، وهي إحدى قصائد المجموعة التي قام عليها الفيلم.

ويقول بكري للجزيرة نت "كانت بداية التفكير في هذا الفيلم عندما كنت في روما وأنا أتابع الأخبار عن تالة، وكنت قد شهدت بعض الأحداث قبل مغادرتي إلى روما يوم 25 ديسمبر/كانون الأول. وتابعت بعد ذلك إرسال أكثر من 1800 رجل أمن ووحدات التدخل الخاصة إلى تالة، مدينتي التي خرجت منها قبل سنوات طويلة مطرودا من المدرسة الثانوية بعد مشاركتي في احتجاجات ومسيرات ضد النظام البورقيبي".

يقول بكري -الذي يعلم من خلال معرفته الجيدة بأهالي تالة- "هكذا رأيت مدينتي تحترق أمام عيني وأنا في غربتي"، مضيفا أنه كان يعرف أن هذا التمرد لن يمر بلا مأساة جديدة، فتالة كانت مدينة مغضوبا عليها عبر التاريخ لأن أهلها لا تكسر لهم شوكة رغم الفقر.

عاد بكري حاملا كاميرته إلى تالة في فبراير/شباط، محاولا كما يقول تجميع ذاكرة المكان عبر تاريخ الانتفاضات التي شهدتها. وساعيا إلى استدعاء جوانب من تاريخها المنسي ومن جغرافيتها الباسلة، تلك الجغرافيا التي تناغمت مع تاريخها المغيب لتنبت ثوّارا عبر التاريخ.

اختار بكري بعد ذلك أن يكون أول عرض للفيلم -حتى قبل إتمام مونتاجه وترجمة نصه- في مدينة تالة ليشاهده أولئك الناس البسطاء الذين تقدموا نحو الدبابات وسيارات الشرطة المصفّحة بأجسادهم العارية قرابين حرية لثورة يراها بعد مجرّد انتفاضة، ويخشى أن تكون قد أجهضت.

المصدر : الجزيرة