فرج بيرقدار: الشعوب تعيد الآن بثورتها الأمور إلى نصابها (الجزيرة نت)
حاوره أحمد الشريقي
 
قضى زهاء 14 عاما في آخر رحلة له في غياهب السجون، ولم يخرج إلا بعد حملة دولية ضغطت طويلا على النظام السوري لإخراجه، وبين منفاه الآن في السويد وترحاله الطويل في ظلام السجن، ظل الشاعر السوري فرج بيرقدار أمينا على نهجه ونضاله ضد الاستبداد، مناصرا لثورة شعبه من أجل نيل حريته.

ويرى صاحب "وما أنت وحدك" أن مبدعين ومثقفين كثيرين لا زالوا ضد القمع، ومع شعبهم في ثورته، لافتا إلى أن الإبداع بكل أشكاله منحاز إلى الجمال، الذي هو بالضرورة نقيض للبشاعة والقبح.

الجزيرة نت حاورت الشاعر بيرقدار، الذي سيشارك في  تظاهرة "وطن يتفتح في الحرية" المزمع إقامتها في الدوحة الأسبوع المقبل بمشاركة عشرات الفنانين والكتاب السوريين والعرب.

 إلى أي مدى يمكن للشعر أن يتجاوز سيول الدم ويقترح إبداعه في مواجهة المستبد؟

- حين ينحاز المرء إلى شيء أو أمر فإنه على الأغلب يقف ضد نقيض ذلك الشيء أو الأمر. من هو مع الحُب مثلا ينبغي عليه بديهيا أن يكون ضد الكره أو الكراهية. الإبداع بكل أشكاله، والشعر منها، منحاز إلى الجمال، وهو في ذلك بالضرورة ضد القبح والبشاعة. والإبداع بوجه عام يميل إلى الحرية والحياة والندى، مما يجعله -كتحصيل حاصل- ضد السجن والموت أو القتل والدم.

ها هنا.. في هذه المساحات الأصلية ينسرح ميدان المواجهة ما بين المبدع والمستبِدّ. وما من مواجهة حقيقية بين الاثنين عبر التاريخ، إلا انهزم فيها المستبدُّ وانتصر المبدع، أعني هنا الاستبداد والإبداع، وليس المعنى الشخصي أو الضرائب الشخصية لكل منهما.

الإبداع الحقيقي منحاز إلى الشعوب، والمستبدون منحازون إلى أنفسهم أو نعوشهم التي يسميها البعض عروشا

ولا أظنني أبالغ في هذه الرؤية. كنت مؤمنا بها قبل السجن وخلاله وبعده، وأصبح إيماني بذلك أكثر رسوخا بعد انطلاقة ثورة شعبنا السوري في 15 مارس/آذار 2011. بالطبع كان يمكن لنظام الأسد أن يقتلني بالمعنى الشخصي، ولكن لو حدث ذلك لما كان معناه أنه انتصر علي إلا بالمعنى الشخصي، والتاريخ لا يتوقف كثيرا عند التفاصيل. التاريخ مع الشعوب، وشعوبنا الآن تعيد الأمور إلى نصابها بعد أن ظنّ العالم أنها ذليلة بتكوينها أو جبانة أو مازوشية.

ذلك هو المدى الحقيقي لإمكانية تجاوز الشعر والإبداع لسيول الدم السابقة والراهنة، لأن الإبداع الحقيقي منحاز إلى الشعوب، والمستبدون منحازون إلى أنفسهم أو نعوشهم التي يسميها البعض عروشا.

تخلف مبدعون عن مواجهة آلة القمع، أسأل عن القليل الباقي في خندق المواجهة وأي معركة تخوضونها أيضا مع أدوات الاستبداد الثقافية.

- قد أختلف بعض الشيء مع مقدمات سؤالك عن القليل الباقي من المبدعين في خندق المواجهة مع الاستبداد وأدواته الثقافية. منذ شهور أسَّس بعض الكتاب: رابطة الكُتّاب السوريين. انضم إليها الآن قرابة ثلاثمائة كاتب سوري، ومئات أعضاء الشرف من الكتّاب العرب المناصرين لثورة شعبنا. وما دمتَ لم تتوقّف عند المبدعين الذين تخلَّفوا عن مواجهة آلة القمع، فلن أتوقّف عندهم..

ولكن هناك غيرهم بضعة أقلام مرتبكة أو مرعوبة من المستقبل الذي لم يستشرفوه. يمكنني أن أشير هنا إلى أدونيس ونزيه أبو عفش اللذين أحترم إبداعهما، أما المبدعون السلطويون، أسميهم مبدعين تجاوزا، فإنّ تخلفهم عن مواجهة آلة القمع لا يعنيني، بل يصعب علي تصوّرهم في غير هذا الموقع الذي هو مهدهم.

على الكتَّاب والمثقفين الذين لطالما عانوا من غياب حرية الإبداع، أن يكرِّسوا مواقفهم وكتاباتهم الآن لإبداع الحرية مع شرفاء وأحرار شعبنا

معركتنا التي نخوضها الآن مع أدوات الاستبداد الثقافية إنما هي معركة خلق البدائل. نجح الكتّاب في تأسيس رابطة الكتّاب السوريين في مواجهة اتحاد الكتّاب، الذي تسيطر عليه السلطة ترغيبا بذهب المعزِّ الذي تتهاوى قيمته أو ترهيبا بسيفه، الذي لم يعد يرهب شبابنا وبناتنا رغم فداحة الضحايا والتضحيات.

كما نجح الصحفيون في تشكيل رابطتهم، وأيضا شكّل الفنانون: تجمّع فناني ومبدعي سوريا. نحن جزء من شعبنا الذي يؤسس لسوريا جديدة حرة وديمقراطية وموحَّدة على كامل ترابها، وبكل مكوِّناتها الإثنية والمذهبية والسياسية.

كان قدرك أن تخوض معركة في ظلام السجن أولاً، والآن في أرض الغرب البارد. أسأل عن دور المثقفين هناك وأي مساحة للتأثير من المنفى؟

- حين كنتُ في السجن اعتقد بعض أصدقائي ورفاقي وزملائي باستحالة أن أفعل شيئا مهمَّا من داخل السجن. الوقائع لاحقاً أثبتت أن هناك الكثير مما يمكن فعله. وحين اضطرت السلطات الأسدية إلى إطلاق سراحي، ولو فقط بسنة وبضعة شهور قبل انتهاء حكمي، ولم تستطع منعي من السفر، تغيَّرت آراء بعض الزملاء والأصدقاء.

السجن والمنفى وجهان لنفس العملة، وإن كان المنفى يتيح هامشا أوسع من الحرية والحركة وبالتالي التأثير.

في بداية الثورة كان دور المثقفين في الخارج مهم جدا في نشر وتعميم كل ما يأتي من الداخل من أخبار وصور وفيديوهات. الآن ليس الثوار بحاجة إلينا في هذا الأمر، لديهم اتصالاتهم المباشرة مع وكالات الأنباء والإعلام العربي والعالمي.

دورنا الآن كمثقفين في الخارج يتركّز على تثمير جهودهم وإبداعاتهم وتضحياتهم، وتوسيع نشرها ضمن دوائر استقطاب متعددة بغية التأثير في الرأي العام العالمي، ومؤسسات المجتمع المدني، إذ لا رهان على الحكومات دون ضغوط رأي عام.

دورنا الآن كمثقفين في الخارج يتركّز على تثمير جهود الثوار وإبداعاتهم وتضحياتهم، وتوسيع نشرها

هذا بالإضافة إلى محاولات الدعم المادي والطبي والتكنولوجي للثوار. بالنسبة إلي شخصيا لم أكتب أي قصيدة منذ انطلاقة الثورة، وحتى بداية 2012، غير أني كتبت الكثير مما أعتقد أنه أكثر خدمة للثورة كالمقالات والمقابلات والمحاضرات في المؤسسات الثقافية والجامعات... إلخ. الضحايا فادحة وأكبر من طاقتي على الكتابة عنها شعراً. كما أشعر أن شعبنا الآن بحاجة أكبر إلى أنواع أخرى من الدعم العملي المباشر الذي يحسِّن شروط مواجهتهم لنظام قلَّ أن قدَّم التاريخ مثيلاً لوحشيَّته.

الطائفية أحد أسلحة الاستبداد. كيف تبلورون كمبدعين أكراداً وعرباً ومن مختلف الطوائف جوابكم الإبداعي؟

- الكرد جزء أصيل من شعبنا السوري، وبالتالي مشاركتهم في الثورة أصيلة أيضاً. لقد أطلق أحرار سوريا على إحدى جُمَعهم تسمية "جمعة آزادي". كلمة آزادي الكردية تعني بالعربية: حرية، وقد صدحت بها حناجر ملايين السوريين من عرب وكرد في معظم أرجاء سوريا.

أما المبدعون والمثقفون من بعض الطوائف أو الأقليات، وبخاصة الطائفة العلوية التي حاول النظام طوال أربعين سنة أسرها، فيمكنني القول إنه لحسن الحظ أن نسبة من هم مع الثورة أكبر بكثير من نسبة من هم مع النظام. ومن يعرف كتّاب ومثقفي وفناني سوريا يستطيع مثلي توثيق هذه الحقيقة بالأسماء.

ومن وجهة نظري أرى أنه على الكتَّاب والمثقفين الذين لطالما عانوا من غياب حرية الإبداع، أن يكرِّسوا مواقفهم وكتاباتهم الآن لإبداع الحرية مع شرفاء وأحرار شعبنا. هكذا هو الجواب الإبداعي لشعبنا. ولا أظن أنَّ لمثقفينا الأصلاء جوابا آخر. 

المصدر : الجزيرة