شفيق عبود استقر منذ 1947 في باريس لكنه حافظ على روابط متينة مع وطنه الأم لبنان (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
بموازاة المعرض الاستعادي للتشكيلي شفيق عبود (١٩٢٦-٢٠٠٤)، الذي انطلق حديثا في "مركز بيروت للمعارض"، تنظم غاليري "كلود لومان" الباريسية معرضا شاملا له، يسلط الضوء على مختلف المراحل التي عبرها بفنه، وعلى الإنجازات التي حقّقها على مدى ستة عقود من الإبداع التشكيلي.
 
في النص التقديمي الذي خطه لهذه المناسبة، لا يتردد كلود لومان في اعتبار عبود أكبر فنان لبناني وباريسي في النصف الثاني من القرن الماضي. وما قد يبدو مبالغة عند الوهلة الأولى، تتبين صحّته بسرعة لدى تأمل أعمال هذا الفنان المعروضة حاليا، والتي تشهد على استثمار وتجسيد للون والضوء لم تعهدهما الساحتَان الباريسية والبيروتية قبله. أعمال تجعل من صاحبها حلقة وصل مثيرة بين لبنان وفرنسا، وبين العالم العربي وأوروبا.
 
استقر عبود في باريس منذ عام ١٩٤٧ وحتى وفاته، لكن ذلك لن يمنعه من المحافظة على روابط متينة بوطنه الأم، ومن تغذية فنه بشكل ثابت من مناظر لبنان الطبيعية وضوئه ومن ذكرياته الكثيرة فيه. فمنذ طفولته، افتُتن عبود بالقصص التي سمعها على لسان جدّته أو حكواتية القرية والحكواتيين الجوّالين وبعادات وثقافة قرى جبل لبنان الشعبية، كما تأثر بالأيقونات والطقوس البيزنطية، التي كانت حاضرة في محيطه الأرثوذكسي. بعد ذلك، لعبت الكتابات والصراعات، التي واكبت النهضة العربية دورا بالغا في بلورة ثقافته وهويته العربيتين.
 
فور وصوله إلى باريس، اندمج عبود كليا في الحياة الفنية لهذه المدينة، التي كانت ما تزال عاصمة الفن في العالم، مثله مثل فنانين كثيرين جاؤوا من مختلف أنحاء المعمورة سعيا خلف الحداثة، وشكلوا الجيل الثاني من "مدرسة باريس".

وفي البداية، أعجب بفن بيار بونار وروجيه بيسيير ونيكولا دو ستايل، فتخلى عن أسلوب "التصوير الشعري"، الذي مارسه في بداية مساره في لبنان لصالح أسلوب تجريدي غنائي مستوحى من أعمال الفنانين الثلاثة المذكورين، قبل أن يرقى بهذا الأسلوب إلى حدود الإشراق، فيبتكر لوحات تشتعل الألوان على سطحها، ويتحاور داخلها القديم والحديث والدنيوي والمقدّس، بتناغم مذهل.

إحدى لوحات الفنان شفيق عبود (الجزيرة)

نزعة التساؤل
ويستشعر المتأمّل في لوحات عبود، خصوصا تلك التي أنجزها في مرحلة النضج، تلك الدعوة إلى السعادة ورغد العيش الكامنة فيها، وبالتالي تحوّلها تحت ناظريه إلى نشيد احتفائي بالحياة، دون أن يمنعه ذلك أحيانا من مد بعض لوحاته بشحنة مأساوية ومن تضمينها إشارات بعيدة أو بديهية إلى ظروف شخصية أو جماعية صعبة عاشها الفنان في هذه المرحلة أو تلك من مساره الطويل.

وعبود هو ليس فنان الصورة الواحدة المكرّرة بشكل جامد أو ضمن تنويعات مختلفة، وإن تملكنا هذا الانطباع أمام لوحاته عند الوهلة الأولى. فعمله يتميّز بجانب تأمّلي وتقني كبيرَين، وبنزعة قوية إلى الاختبار والتساؤل والتشكيك بالمكتسبات، وإن بقي وفيا إلى مواضيع ثابتة رافقته طوال مساره، كالفصول والنوافذ، ومحترفات الرسم والغُرَف والليل والمقاهي وعالم الطفولة.

ولا يتردد كلود لومان من استخدام عبارة "تجلّي"(Transfiguration) لوصف الأعمال التي أنجزها عبود في مرحلة النضج، لاعتبارها الأنسب لتحديد بحث الفنان الثابت عن خلاصةٍ تجمع بين عالم طفولته، وتقنيات الرسم التجريدي التي اتّقنها في باريس. فبعد تأثّره بأسلوب بونار وبيسيير ودو ستايل، سعى ونجح في تطوير هذا الأسلوب عبر منحه بُعدا شخصيا كبيرا، واستخدامه مادة تلوينية غنية ونيّرة، وعبر إسقاطه بواسطة طريقة رسمه الجديدة المتعددة الرؤى، والنابعة من عالمَيه الداخلي والخارجي.

فقد عمد عبود إلى تحويل الصور التي عبرت مرشح ذاكرته إلى لوحات، كما يتجلى ذلك في سلسلة "المقاهي المبتلَعة" التي رسمها عام ١٩٩٠، وهي كناية عن تشكيلات ضخمة، ملوّنة ونيّرة، مستوحاة من واقع مأساوي: تدمير الحرب الأهلية في لبنان المقاهي المحاذية للشاطئ في بيروت، التي كان الفنان يتردّد عليها وحيدا، أو مع أصدقائه أثناء زياراته السنوية إلى لبنان، أو في اللوحات الربيعية التي استوحاها عام ١٩٩٧ من الفساتين ذات الألوان البرّاقة، التي كانت صديقته سيمون ترتديها قبل وفاتها.

وبينما يركّز معرض عبود الحالي في باريس على إنتاجه في مجالي الرسم والطباعة، يمنحنا معرضه في بيروت فرصة التعرّف على لوحات له مستعارة من مجموعات لبنانية، وعلى جوانب أخرى من إبداعه مثل الكتب الفنية والرسوم والأعمال الخزفية والسجاد، إلى جانب مشاريعه النحتية.

المصدر : الجزيرة