أمجد ناصر
 
لم تعرف العربية الشاعرَ المترجِمَ قديما. أصلا لم يترجم العرب شعرا، حسب علمي، إلا في مطالع القرن العشرين، أو ربما قبل ذلك بقليل، وأغلب الظن أن الأمر تعلَّق حينها بترجمة مسرحيات شعرية كما فعل اللبناني نجيب حداد عندما نقل عمل شكسبير "روميو وجوليت" إلى العربية.

قبل ذلك كانت هناك عصور انحطاط حضاري لم تنجز خلالها آثار أدبية يعتد بها. ينبغي علينا أن نعود إلى العصرين الأموي والعباسي، لنقف على أبرز آثارنا الإبداعية على كل صعيد ومنها الانفتاح بلا حرج على "الآخر" عبر الترجمة.

ولكن عندما عرف العرب الترجمة، وراحوا ينقلون آثارا إنسانية (جلّها في الفلسفة والعلوم والطب) إلى اللغة العربية، لم يفكروا قط، على ما يبدو، في نقل آثار شعرية من الأمم السابقة عليهم حضاريا (اليونان والرومان والفرس والهنود). فقد يكون الإغريق، في عرف العرب آنذاك، متقدمين في الطب والفلسفة والفلك والرياضيات ولكنهم ليسوا متقدمين عليهم البتة شعريا.

لا لسان، في وعي العربي لذاته في تلك الآونة، يبزُّ لسان العرب شعرا. إنه لسان البلاغة والفصاحة! عداه تكون العجمة واللعثمة! وليس من قبيل الصدفة أن العرب سمّوا لسان غيرهم بالأعجمي. ولا يتعلق الأمر بالفرس، كما يتبادر إلى الذهن، بل بالناطقين بغير العربية لسان الفصاحة والبيان والفهم، بل أبعد من ذلك، بمن لا يفصح حتى من العرب أنفسهم، وبذلك يتساوى منعدم الإفصاح، في نظرهم، بالبهيمة "العجماء"!

يكون للموضوع معنى محدد لو أن السياب ترجم عملا كاملا لإيلوت أو للوركا أو لنيرودا، على ما بين هؤلاء الشعراء من اختلافات فكرية وجمالية، لكنه لم يفعل

فكلّ منْ لم يفصح بشيءٍ فقد أعجَمه، واسْتَعْجم عليه الكلامُ: اسْتَبْهَم. وبمعنى آخر من معاني العجمة قال امرؤ القيس: صمَّ صداها وعفا رسمُها.. واستعْجمت عن منطق السائل. أي صمتت (أو خرست) ديار "ماويّة"، التي يسائل الشاعر هنا آثارها الحائلة من دون أن يقع على جواب. هذه مقدمة طويلة بعض الشيء لنصل إلى وجه من وجوه رائد التجديد في الشعر العربي الحديث: بدر شاكر السياب.

قبل فترة صدر عدد جديد من مجلة "الدوحة" الثقافية، ومعه كتابها الشهري، الذي حمل عنوان "بدر شاكر السياب: أصوات الشاعر المترجِم"، وهو من إعداد وتقديم الشاعر المصري حسن توفيق.

ومجلة "الدوحة" دأبت، في انطلاقتها الجديدة، على إعادة طبع كلاسيكيات عربية معاصرة ذائعة الصيت مثل "طبائع الاستبداد" للكواكبي، وأخرى لم تطبع مرة ثانية أو حتى منسية، مثل كتاب السياب هذا، الذي طُبِعَ، على نحو مغاير عام 1955 بعنوان "مختارات من الشعر العالمي الحديث".

لم يغص حسن توفيق في بطون الصحف والمجلات، كي يجمع قصائد ترجمها السياب ولم يضمها، لسبب أو آخر إلى مدونته الكتابية، ولم يضف إلى السياب كتابا لم يكن السياب نفسه يرغب في وجوده بين كتبه، كما فعل الذين جمعوا مقالاته، التي كان ينشرها في جريدة "الحرية" العراقية أيام الرئيس عبد الكريم قاسم بعنوان "كنت شيوعياً".

نشر السياب ترجماته الشعرية في كتاب يعني أنه كان يضيف إلى نشاطه الشعري، بوعي وإدراك، فعل الترجمة. ومن يعرف جانبا من نشاط السياب في الكتابة والترجمة، يعلم أن الشاعر العراقي الرائد ترجم أكثر من كتاب بطلب من "مؤسسة فرانكلين" الأميركية ذات التاريخ الملتبس في الثقافة العربية.

نعرف منزلة السياب في الشعر العربي الحديث. إنها منزلة رائدة لا شك فيها ولا منازعة، لكنه ليس كذلك مترجما ولا ناثرا أيضا. إبداعه وريادته وإدهاشه في شعره فقط، وليس في نثره ذي الطابع الضعيف، ولا في ترجماته التي نحن بصددها الآن، ولا في حواراته الصحفية أيضا.

لا تبدو ترجمات السياب صادرة، بدءا، من شغف بالترجمة، أو من وعي بدورها في عملية التحديث الشعري، وإنما من تطلُّب معيشيّ بالدرجة الأولى. لم يترجم السياب هذه القصائد لأنه يرغب في تعميق مجرى التحديث الشعري الهادر في تلك الآونة ولكنه ترجمها -على الأغلب- لـ"ضرورات" من خارج معركة التحديث التي كان يخوضها من خلال قصائده وانحيازه إلى "منبر" ضد آخر (مجلة شعر، مقابل مجلة الآداب).

كان سيعني شيئا محددا لو أن السياب ترجم عملا كاملا لإليوت أو للوركا أو لنيرودا، على ما بين هؤلاء الشعراء من اختلافات فكرية وجمالية، لكنه لم يفعل، واكتفى بأن ترك في مدوّنة ترجماته قصيدة واحدة لكل واحد منهم.. وحتى هذه القصائد المنفردة، لم يتم اختيارها لسبب إبداعي خاص. قد تكون سهولتها أو قصرها سبب ترجمتها ليس إلا.

بهذا المعنى فإن ترجمات السياب ليست مهمة، فهي بهذا الحجم الضئيل (ست عشرة قصيدة) والتباعد الشاسع بين أسماء شعرائها وتجاربهم (من الماركسي نيرودا إلى المحافظ إليوت) لم تترك أثرا، إلى درجة أننا نكاد لا نتذكر السياب مترجما شعريا، ولا نعرف أنه نشر هذه الترجمات في كتاب، ولكن المهم في ترجمات السياب هو ما تستبطنه وليس ما تظهره.

برزت في العربية، ربما في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات للمرة الأولى، ظاهرة الشاعر المترجِم الذي لا يكتفي بكتابة الشعر بل يترجم ما يعزِّز خياره الإبداعي أو، أضعف الإيمان، ما يروق له من شعر "الآخر"

ليست أسماء الشعراء ولا مستوى الترجمة ما يهمني هنا، ولا حتى الأبيات التي "سرقها" السياب من ترجماته وضمها إلى قصائده (حسب تعقّبات حسن توفيق) بل وعي السياب بأهمية العلاقة بين مشروع التحديث الشعري العربي من جهة و"الآخر".. و"الآخر" الغربي على نحو خاص، من جهة أخرى.

ما أقوله هنا ليس جديدا، فلا بدّ أن هناك من سبقني إلى القول إن حداثة الشعر العربي لم تكن ممكنة من دون تلك العلاقة مع "الآخر".. أي بوضوح: من دون عملية الترجمة، بما هي اطلاع على منجز ونقل له في آن. ولقد رأينا انكباب عدد متزايد من الشعراء العرب على ترجمة تجارب شعرية غربية في عقود الخمسينيات والستينيات، وصولا إلى السبعينيات.

في هذه العقود الثلاثة برزت في العربية، ربما للمرة الأولى، ظاهرة الشاعر المترجِم، الذي لا يكتفي بكتابة الشعر، بل يترجم ما يعزِّز خياره الإبداعي أو أضعف الإيمان، ما يروق له من شعر "الآخر".

يكفي أن نتذكر هنا: أدونيس، وتوفيق صايغ، وجبرا إبراهيم جبرا، ويوسف الخال، وسلمى الخضراء الجيوسي، وعصام محفوظ، وفؤاد رفقة. ومن الأجيال اللاحقة: سركون بولص، وعبد القادر الجنابي، ومحمد بنيس، وبسام حجار، وعبده وازن، ورفعت سلام.. أورد هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحصر، إذ إن هناك كثيرا غيرها.

كم كان السياب دقيقا في الترجمة؟ إلى أي حد كان مبدعا فيها؟ بل هل كان يعرف الإنجليزية على النحو الذي تعكسه بعض حواراته بخصوص تأثراته العربية والأجنبية؟ ليست هذه هي أسئلتي اليوم، فلم أكن أتوقع ترجمة فارقة بقلم السياب، وإلا لظلت هذه الترجمة في التداول طويلا، ولم تختف بعد قليل من نشرها في كتاب. وهذه الترجمات تبدو عديمة النفع اليوم، اللهم إلا من زاوية الدرس والمقارنة. فهي فاقدة، تقريبا، لأي إشعاع أو نبض حي.

مقدمة حسن توفيق التي تتضمن مقتبسات من أقوال السياب حول بعض الاتجاهات الشعرية الغربية وأعلامها، ترينا إلى أي حدٍّ شغل شعر "الآخر" ذهن لحظتنا الريادية الشعرية، وإلى أي حد صار التحديث مقترنا بالاطلاع عليه والتأثر به. قد تكون هذه هي المرة الأولى التي يقرُّ فيها العرب بأنهم لم يعودوا مكتفين شعريا وأنّ بهم حاجة إلى معرفة شعر الألسن الأخرى التي لم تعد، بهذا المعنى، عجماء!

المصدر : الجزيرة