الروائي الجزائري واسيني لعرج مع الصحفي دافيد كورييه أثناء الندوة (الجزيرة)
فاتنة الغرة-بروكسل

في معرض برنامجها "لقاءات عربية" المستمر على مدار العام، قدمت مؤسسة ليئال دو سكاربيك البلجيكية الروائي الجزائري واسيني لعرج في بروكسيل، كي يتحدث عن القدس، التي قدمها في روايته "سوناتا لأشباح القدس" المترجمة مؤخرا إلى الفرنسية، وناقشه فيها الصحفي التلفزيوني "دافيد كورييه".
 
ولم تكن صدفة أن تقام هذه الندوة تزامنا مع الذكرى الخامسة والستين لنكبة فلسطين، كما أوضح لعرج في حديثه للجزيرة نت، حيث إن الكتاب صدرت ترجمته بالفرنسية منذ أربعة أشهر، لكنه اتفق مع مؤسسة "ليئال دو سكاربيك" ودار "سندباد" على أن يكون عرضه في بروكسل إحياء للنكبة، مؤكدا أن "صدور الكتاب في فترة معينة يعني تسليط الضوء عليه، خاصة حينما يرتبط بمأساة ما زالت حية وهو ما نود قوله للناس".
 
غلاف الترجمة الفرنسية للرواية (الجزيرة)
قصة الشتات
وخلال الندوة ناقش كورييه لعرج سياسيا أكثر مما ناقشه أدبيا، حيث سأله عن الوضع العام لفلسطين خاصة مع ما يحدث في العالم العربي من ثورات، كما توجهت دفة الحديث مع الجمهور الذي كان متفاعلا مع العمل أيضا للجانب السياسي. ولم يخف لعرج خيبته من الواقع الحالي، إلا أنه اعتبر نفسه "متشائلا" على رأي الروائي الفلسطيني أميل حبيبي.
 
رواية "سوناتا لأشباح القدس" موضوع الندوة تحكي قصة "مي"، الفنانة التشكيلية الفلسطينية التي غادرت فلسطين، وهي في الثامنة من العمر نحو أميركا، حيث أصيبت في نهاية حياتها بالسرطان، فأوصت قبل وفاتها أن تُحرَق وأن يُذَرَّ رمادها فوق نهر الأردنّ وفي حارات القدس، وأن تدفن عظامها في أميركا، حيث يقيم ابنها "يوبا"، ليجد قبرا يضع عليه وردا كلّ يوم ثلاثاء.
 
و"يوبا" اسم أمازيغي، كما أوضح لعرج في معرض رده على تساؤل كورييه، وهي محاولة منه لوضع جزء من ذاته وذاكرته في الرواية، خاصة أنه عاش حياة مشابهة لما عاشته "مي" من اضطرار لمغادرة بلاده والتنقل بين عدة بلدان أخرى، وكأنه  يقول "مي هي أنا في جسد آخر".
 
غير أنه يختلف معها في الكثير من التفاصيل الجوهرية والرمزية، بينها مفتاح بيتها في القدس، الذي تحتفظ به كأغلب الفلسطينيين ممن اضطروا لترك بيوتهم، حيث تقول الخالة دنيا لميّ في الرواية: "أرأيت المفتاح الخشن المعلق عند مدخل البيت؟ هل تعتقدين أنه سيفتح شيئا يوما ما؟ لا أعتقد. الأحياء تُسرق واحدا بعد الآخر، بعد سنوات قليلة لن يصبح لهذا المفتاح أيّ معنى، باستثناء التذكر والألم". 
 
واسيني لعرج: شخصية "مي" في الرواية تعد المعادل الموضوعي للفلسطيني المشرد (الجزيرة)
مأساة شخصية
ويؤكد لعرج أن "ما تقوله شخصية مي في الرواية هو أن الإنسان الذي يطرد خارج بلده يظل يحلم بالعودة إليها، لكني لم أتناول فلسطين في الرواية من باب سياسي على الرغم من وجوده، بل ناقشتها من زاويتها الإنسانية، خاصة أن الكثيرين ينظرون إليها على أنها مأساة جماعية فقط، لكنها أيضا مأساة شخصية، فكل شخص في فلسطين لديه قصة ما يحكيها".

وميّ هنا تعد هي المعادل الموضوعي للفلسطيني المشرد كما وصفها لعرج، حيث تروي قصة الأشباح التي تطاردها وتجعلها تقطع علاقتها بكل شيء اسمه فلسطين أو القدس، وتحاول بناء حياة جديدة. إلا أن هذا كما يوضح "ليس قرارا وإنما هو كيمياء داخلية ستستيقظ فيها في آخر حياتها ويدفع بها ذلك لاتخاذ قرارها بأن تُدفن في القدس بعد موتها، حيث تبدأ معاناة أخرى، حينما يرفض الاحتلال طلبها بأن تدفن في القدس".

ويعتقد لعرج أن المنع جاء لرفض الإسرائيليين فكرة أن يتحول شخص ما إلى رمز في هذا البلد، كي لا يكون مزارا أو قدوة لغيره، خاصة أن ثقافتهم قامت على الرمز، وهو ما حدث أيضا مع المفكر إدوارد سعيد، الذي مُنعت جثته من الدفن في تراب بلده.

وعن التحدي الذي واجهه أثناء كتابة الرواية، باعتبار أن فلسطين تعد موضوعا رئيسيا في مختلف مجالات الإبداع العربي، يشدد الروائي الجزائري على قوة هذا التحدي تحديدا بقوله "أنت تكتب عن بلد برغم أنه عربي وتعرفه، لكنك لم تعش فيه" مؤكدا أن القرابة الداخلية مع الدراسة التاريخية مكنته من رؤية كل المناطق التي كتب عنها.

ويؤكد صاحب "البيت الأندلسي" أنه رغم عدم زيارته للقدس فإنه تمثلها برؤيا القلب، ورغم قدرته على الذهاب إلى هناك، فإن فكرة أن إسرائيليين هم من سيقومون بختم أوراقه لم يستسغها، وفي النهاية يشير إلى أن ما تعرضت له "مي" في الرواية هو بسبب هويتها الفلسطينية، لكنه أيضا موقف قد يتعرض له أي شخص في العالم، وهو ما حاول طرحه في الرواية، التي تمثل قصة الإنسان أينما وجد.

المصدر : الجزيرة