جانب من معرض الربيع العربي في مرسيليا
بوعلام رمضاني-مرسيليا
 
كان من الطبيعي أن تحتضن المدينة الفرنسية الجنوبية الشهيرة مارسيليا معرضا عن الربيع العربي بحكم احتضانها أكبر جالية مغاربية تفاعلت دائما وأبدا مع أحداث وقعت على بعد أقل من ساعتين عن مسقط الرأس الواقع في الضفة المقابلة. وأقدم المجلس الجهوي لمنطقة "باكا" -بروفنس ألب كوت دازور- على تنظيم المعرض، الذي يستمر حتى الثامن والعشرين من الشهر القادم.
 
وينفرد المعرض الذي يكرم صناع الثورات العربية من الشبان والنساء بوجه خاص والصحفيين والمصورين المعروفين والمغمورين على السواء بمقاربة فنية وصحفية عالية الجودة والإتقان، مما  أعطى للتظاهرة مصداقية أكبر، تجاوزت المغزى السياسي التقليدي والضيق، الذي قد يختلف حوله الكثير، ومنهم أولئك الذين لا يترددون في الحديث عن الخريف العربي.
 
وتحقق هدف المنظمين والمشاركين في إنجاح المعرض -مثل الصحفية هالة قضماني التي تغطي الثورة السورية لصحيفة "ليبراسيون" و زميلها الصحفي جان بيار بيران رفيقها على درب الربيع العربي- اعتمادا على توثيق كثيف ومتنوع ومتوازن شمل حوالي مائتي صورة  صحفية وتسجيلات صوتية حية من واقع الثورات والدماء والدموع، وأشرطة مصورة وكتابات وتعليقات غطت اللحظة الثورية، انطلاقا من تونس ومصر وليبيا مرورا بالبحرين واليمن، وصولا إلى سوريا.
صورة فتاة تونسية خلال المظاهرات في تونس

تجليات الثورة
الصور التي التقطها مصورون محترفون وهواة في أشهر الشوارع والأزقة والساحات، لم تكن عادية بكل المعايير وجسدت مختلف تعابير وتجليات ومظاهر الثورات العربية بعدسات رجال ونساء كانوا على موعد مع اللحظة الثورية.

ومن هذا المنطلق، يمكن للزوار -وخاصة الفرنسيين والسياح الأجانب الذين يرتادون المدينة الفرنسية الجنوبية الشهيرة- الوقوف على قدرة شعوب انتفضت على الظلم، مستلهمة بيت الشاعر التونسي الراحل أبو القاسم الشابي "إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر، ولا بد لليل أن ينجلي.. ولا بد للقيد أن ينكسر".

هذا البيت الخالد لشاعر موطن الثورة العربية الأولى تجسد في كل صور المعرض، ومنها على وجه الخصوص صورة الشابة التونسية الصارخة من أعماقها بكل ما أوتيت من قوة ومرتدية قميصا يحمل شعار "تونس ليك" مخاطبة المواطن التونسي. وكانت هذه الصورة قمة في الفنية التعبيرية ولم يكن اختيارها كصورة محورية في صدر الملف الصحفي أمرا عفويا.

المعرض تضمن أيضا صورا تعبر عن مدى صلابة الثوار وتجليات صمودهم، مثل صور الأم الحاملة لصورة ابنها الشهيد محمد البوعزيزي مفجر شرارة الثورة الأم، والنساء المتحجبات والسافرات المتظاهرات مطالبات بالعدالة والديمقراطية، والمتظاهرين المصورين غير العابئين بالقناصة ورجال البوليس المندسين بين المتظاهرين.

ونقلت الصور أيضا الكتابات الجدارية المطالبة بحكم مدني والشاب السوري اللاجئ في تركيا، والطفلة البرئية المصابة بشظايا والشاب الذي يقود مظاهرة سلمية، وأيضا الثوار الذين اضطروا للتسلح لمواجهة الرصاص والقمع.

معرض ربيع مارسيليا العربي كان أيضا تكريما لمصورين وصحفيين ثوار وشهداء دخلوا التاريخ أيضا من خلال رصدهم بصدقية وشفافية وجرأة لصور كانت شاهدة على التاريخ كيف يصنع، وجسدت تحركات عفوية فردية وأخرى منظمة رافقت تطلعات الشعوب العربية في لحظته الثورية الفارقة.

المصدر : الجزيرة