مرزاق علواش: وزارة الثقافة الجزائرية رفضت مساعدتي على إنجاز الفيلم (الجزيرة)
في فيلمه الجديد "التائب" يعود المخرج الجزائري مرزاق علواش إلى الفترة التي عرفت بالعشرية السوداء في الجزائر، ويتطرق لتلك الأحداث بعيدا عن منطق الصدمة والتشنج والخوف، في محاولة لنسيان تلك الجراح التي سببتها وأثخنت بها النفوس والقلوب.

والسؤال الجوهري الذي يطرحه علواش في الفيلم الذي يشارك في تظاهرة "أسبوعي المخرجين" بمهرجان كان: هل يكفي ميثاق "السلم والمصالحة الوطنية" الذي أصدرته السلطات في الجزائر عام 1999 لإنهاء تلك الفترة ونسيان ما جرى؟
 
ويتناول الفيلم المبني على قصة حقيقية، سعي السلطات الرسمية إلى تشجيع الناس على نسيان ما حصل لهم بموجب ميثاق "السلم والمصالحة الوطنية" الذي أدى في حينه إلى عودة مئات الشبان الذين انجروا إلى التطرف والعنف، من الجبال إلى أهاليهم، بعدما وضعوا أنفسهم تحت تصرف الدولة.
 
صعوبة النسيان
علواش: التاريخ الجزائري منذ الاستقلال حافل بأشياء توضع تحت علامة الصمت ولا يرغب أحد في الحديث عنها. فالجزائريون يحبون القول إنهم بخير ولو بشكل اصطناعي واهم
تبع ذلك جو من التفاؤل "الاصطناعي" ساد البلاد وفق علواش، الذي يؤكد أن "سيناريو الفيلم موجود من مدة، لكن وزارة الثقافة رفضت منحي المساعدة على إنتاج هذا الموضوع، فتركته جانبا وصورته أخيرا بكاميرا رقمية جعلتني أحس بأني شاب من جديد في السينما".

واعتبر علواش أن "التاريخ الجزائري منذ الاستقلال حافل بأشياء توضع تحت علامة الصمت، ولا يرغب أحد في الحديث عنها. فالجزائريون يحبون القول إنهم بخير ولو بشكل اصطناعي واهم. ولكننا في الواقع لا ننسى، خاصة مع سقوط آلاف الضحايا وهجرة الآلاف وخلو البلد من النخبة... هذا ما أردت التحدث عنه".

وأشار صاحب "نورمال" و"باب الواد سيتي " إلى أنه يؤيد مثل هذه المبادرات الداعية للسلم الأهلي في الجزائر، التي لا تزال تشهد بعض العنف وفي أي بلد كان في العالم، "ولكن بعد ذلك يجب الحديث عما حصل". ويؤكد أن الشعب الجزائري يعاني من "صدمة" ما بعد الأحداث، قائلا "نحن لا نريد للأمور أن تتغير جراء الخوف مما عشناه في تاريخ قاس جدا"، ويلقي باللائمة على الجمود العائد إلى الخوف.

ويطرح "التائب" من خلال شخصية "رشيد" التي يؤديها الممثل نبيل العسلي إمكانية الصفح من أهالي الضحايا. فرشيد واحد من مئات العائدين من الجبال إلى قريته وعائلته في تلك الفترة، ممن اكتشف معهم المجتمع الجزائري عبارة "التائب".

يتقدم النهج الدرامي للفيلم متتبعا خيط الصمت الذي يقول الكثير عن حالة البلاد، حيث يتحول الصمت إلى قيمة يقابلها صمت السلطات على ما جرى، وكذلك صمت المجتمع، بينما يظل الحاضر مرتبطا بذلك الماضي

قيمة الصمت
ويصور الفيلم استقبال المجتمع لهذا التائب العائد إلى قريته، حيث لا يتمكن من البقاء فيغادر إلى المدينة، ليوجد له مسؤول الأمن عملا في مقهى يرفض صاحبه أن يدعوه بأخيه.

ويظهر عسلي في دور رشيد وعلى وجهه ملامح البراءة، لكن رغم قوله إنه لم يقتل أحدا، تحوم شكوك حول دوره الحقيقي وهذه الشكوك تتعقبه في يومياته، وفي كل ما يحاول أن يفعله ليبدو هو الآخر ضحية لما جرى.

ويتقدم النهج الدرامي للفيلم متتبعا خيط الصمت الذي يقول الكثير عن حالة البلاد، حيث يتحول الصمت إلى قيمة يقابلها صمت السلطات على ما جرى، وكذلك صمت المجتمع، في حين يظل الحاضر مرتبطا بذلك الماضي بل هو متوقف عنده وكأنه مقيد به.

ويطرح هذا الصمت في الفيلم الكثير من الأسئلة عن إمكانية العفو، عن حقيقة ما جرى، وواقع أن محاكمة من ارتكبوا عمليات قتل الأبرياء في هذا البلد لم تتم.

وأدت الممثلة عادلة بن دمراد دور الأم والزوجة المنفصلة، وقام الممثل خالد بن عيسى بدور الصيدلي. وفي مشهد طويل يستغرق الجزء الأخير من الفيلم يظل الثلاثة في السيارة التي تقودهم إلى قبر الابنة البريئة المقتولة، والذي يريد التائب أن يدلهم عليه مقابل مبلغ من المال.

في السيارة وخلال تلك الرحلة الطويلة يعترف "التائب" بما فعل، وفي حين لا يريد الأب أن يعرف تصر الأم على معرفة كل شيء، معرفة سوف تمكنها من طي الصفحة والنظر إلى المستقبل. لكن حتى الاعتراف يعيد طرح العديد من الأسئلة، التي تبقى معلقة برسم المشاهد، وحيث السيارة تتحول إلى وطن على الجميع تعلم كيفية التعايش فيه.

وتبقى نهاية الفيلم مفتوحة على الموت الممكن أو الذي لا ينتهي في الجزائر حيث يستمر العنف وانقطاع المياه، وتتفاقم المشاكل الحياتية دون أن تكون هناك حلول لأي من هذه  المعضلات.

المصدر : الفرنسية