المساجد كانت من بين المواقع التراثية التي استهدفتها القذائف (الفرنسية- أرشيف)
تنعى سوريا خلال الفترة الماضية -إضافة إلى قوافل الضحايا الذين يتساقطون يوميا- تراثها المادي الذي يئن تحت وطأة القصف المتعمد، وحملات النهب المستمرة التي تهدد بدفن جزء هام من تاريخ الإنسانية.

ودق تقرير أعدته مجموعة من علماء الآثار السوريين والأجانب ناقوس الخطر على وضعية المواقع الأثرية السورية، وحذر التقرير -الذي سلم لعدد من المنظمات الدولية- من استهداف لبعض المواقع وعمليات نهب للآثار يشتبه في أن يكون بعضها قد تم بعلم من السلطات.

فقلعة الفرسان التي حاصرها صلاح الدين الأيوبي منذ ما يقرب من 900 سنة -تعتبر من بين أفضل القلاع الصليبية المحفوظة في العالم- قام مسلحون باقتحامها وطرد الموظفين منها وبدؤوا بتنفيذ حفريات فيها، وذلك وفقا لما أعلنه مدير دائرة الآثار والمتاحف بدمشق بسام جاموس.

وأكد جاموس أن المسلحين هاجموا أحد المتاحف في حماة وسرقوا تمثالا نادرا من الذهب يعود إلى الحقبة الآرامية، ونفى أن يكون الجيش قد هاجم أي موقع متهما المسلحين بكل الأضرار التي لحقت بالآثار.

النشطاء يرصدون
في المقابل أظهرت لقطات بثها ناشطون على شبكة الإنترنت تسبب قذائف أطلقتها القوات النظامية عند ملاحقتها لمعارضين في حماة بإحداث ثقب بأحد جدران قلعة المضيق التي يعود إنشاؤها للقرن الـ12 الميلادي.

وعلى أنقاض المدينة الأثرية في تدمر والتي تعود لألفي سنة، طوقت القوات الحكومية البلدة الأثرية وأقامت قاعدة في القلعة الموجودة على تلة تطل على المنطقة المحيطة.

وقبل عدة أسابيع، قال نشطاء في محافظة إدلب إن القوات اشتبكت مع المعارضين داخل وحول أنقاض إلبا، وهي مدينة من العصر البرونزي اكتشف علماء الآثار فيها سنة 1960 كنزا هائلا من الجداول المسمارية التي أحدثت ثورة في فهمهم للشرق الأوسط القديم.

وأما السوق القديمة في حمص -الذي يشتهر بسقفه المقوس- حيث كانت تباع المنسوجات الملونة والسجاد والعطور والملابس فقد تضرر بشكل كبير. وعلا السواد جدرانه التي اخترقتها شظايا القذائف المتناثرة في أرجائه.

ولم تسلم المساجد من الاعتداءات وخاصة في درعا مهد الثورة السورية وحمص التي تعد معقل المعارضة، فقد استهدفت القوات الحكومية في بدايات الثورة المسجد العمري في درعا الذي يعود بناؤه للفترة التي أعقبت الفتح الإسلامي في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب. وقال نشطاء إن القوات الحكومية تعمدت نقل أسلحة إلى داخل المسجد لإثبات أن العصابات المسلحة كانت متحصنة بداخله.

وأبرزت اللقطات التي بثها الناشطون قصفا للمآذن وتضرر واجهات العديد من المساجد والكنائس ومن بينها كنيسة أم الزنار التي شيدت سنة 59 ميلادية.

كل هذه الاعتداءات دفعت الناشط طارق بدرخان من حمص للقول إن "القوات الحكومية ليس لديها أي احترام للتراث الثقافي للبلاد".

اتهامات للنظام
وفيما تتبادل الحكومة والمعارضة المسؤولية عن الأضرار التي لحقت بآثار البلاد. أكد علماء الآثار -الذين قاموا برصد التهديدات التي تتعرض لها المواقع عبر الشهود الميدانيين- أن القوات الحكومية أصابت في مرات عديدة مواقع أثرية بإصابات مباشرة، وشاركت أو غضت الطرف عن عمليات النهب التي تعرضت لها بعض المواقع.

وقال عالم الآثار الإسباني رودريغو مارتن، الذي قاد العديد من بعثات التنقيب في سوريا "لدينا الحقائق التي تبين أن الحكومة تعمل مباشرة ضد التراث التاريخي للبلاد".

ويعتبر مراقبون أن ما تشهده سوريا يشكل مفترق طرق لدولة تتوفر على كنوز يعود تاريخها لآلاف السنين، وعاصمة تعد هي الأقدم في العالم.

ويؤكد العلماء أن المواقع غير المكتشفة أكثر بكثير مما تم اكتشافه إلى غاية الآن، وأوضح عالم الآثار الإسباني أن ما اكتشف من مواقع يوفر معلومات كبيرة جدا غير أن ما لم يتم اكتشافه بعد يخفي معلومات أكبر، واعتبر أن كل حادثة تدمير تستهدف موقعا أثريا هي بمثابة حرق صفحة من صفحات كتاب تاريخ البشرية.

المصدر : أسوشيتد برس