لقطة من المسرحية ويبدو فيها الممثل مازن الناطور يسرد حكايته في مونولوغ طويل (الفرنسية)
 
من خلال العرض المسرحي "سوناتا الربيع" لفرقة السمت المسرحية، يحاول ثلاثة فنانين سوريين تقديم مبررات للمطالبات بالإصلاح في بلادهم التي تشهد اضطرابات مستمرة منذ أكثر من عام من خلال حكاية مواطن يسرد عذاباته وإحباطاته بانتظار إصلاح مؤجل.
 
المسرحية، التي عرضت مؤخرا في أبو ظبي، من نوع المونودراما القائمة على ممثل واحد هو مازن الناطور، الذي اشتهر بأدواره البدوية في المسلسلات التلفزيونية. وقام بكتابة النص الكاتب المسرحي جمال آدم المقيم في الإمارات، أما المخرج ماهر صليبي فقد قدم إلى الإمارات أخيرا بحثا عن فرص عمل بعد تأثر الإنتاج هناك إثر الثورة.
 
وفي مونولوغ طويل يسرد أبو حسن، الذي يقوم بدوره مازن الناطور، كيف انتهى به المطاف إلى العمل كدهان، والسكن وحيدا في غرفة حقيرة على السطوح بعد أن كان أستاذا للتاريخ في الجامعة السورية إثر سنوات دراسة في فرنسا.
 
 الناطور وهو يحاول إصلاح الجدار بعد أن استعصى عليه (الفرنسية)
حكاية إصلاح مؤجل
يسرد أبو حسن حكايته وهو يصلح جدران بيته ويصبغها، وحينما يستعصي عليه إحداث شرخ في الجدار يصرخ "راح أصلحك يعني راح أصلحك، مش مثل إصلاحاتهم... عشر سنين وما شفنا شي..".

لكن أبو حسن يرتجف من وقع كلمة "إصلاح" على النظام فيقرر استبدالها بكلمة "علاج" حتى لا يقع تحت طائلة القمع مرة أخرى، فيكشف في فضفضته الداخلية كيف أنه فضل دراسة التاريخ على الطب في فرنسا، وبقي محافظا على وصية والده التي صاغها المتنبي في بيت الشعر الشهير "من يهن يسهل الهوان عليه.. ما لجرح بميت إيلام؟". فدفع ثمن ذلك خسارته لوالده ووظيفته وزوجته وابنته ورجولته أيضا.

وتبدأ معاناة أبو حسن عندما يرفض "إنجاح" ابنة "المعلم" التي تدرس في صفه، والمعلم عند السوريين هو المسؤول الرفيع المستوى، فيعتقل ويعذب لسبعة أيام، ويموت والده من القهر ومهانة الاستجواب، وتهجره الزوجة وتأخذ ابنتها معها إلى بلدها فرنسا.

خلال الاستجواب القاسي يفقد أبو حسن رجولته تحت التعذيب، فيعمل دهانا حتى "لا يذل"، حسب تعبيره، وفي ذروة انفعالاته يقوم بتحطيم الجدران حوله ويقول صارخا "يا معلم أنتو اللي دمرتوا البلد.. انتو اللي دمرتوا القيم..".

وفي تقنية قد تكون جديدة في المسرح العربي، يستعين المخرج ماهر صليبي بشاشة عرض ضخمة موضوعة في إطار النافذة ليعرض صور فيديو من ذاكرة أبو حسن، فتحضر صورة الأب والزوجة والابنة سوناتا، والسجان الذي يستجوبه ويعذبه، كما استخدم التقنية ليختم العمل بقصيدة محمد الماغوط الشهيرة:

"تركوا لنا بقايا الشمس لندفأ... بقايا الموائد لنأكل .. بقايا الليل لننام

بقايا الفجر لنستيقظ.. بقايا الموسيقى لنسمع .. بقايا الأرصفة لنمشي

بقايا الأصابع لنكتب.. ثم يتركون لنا الوطن من المحيط إلى الخليج لنقاتل ونموت من أجله".

ويتبع ذلك شريط أسفل الشاشة يقول: خبر عاجل، تاركا الجمهور يصنع خبره.

ماهر صليبي:
العمل عن مأساة مواطن سوري رفض التعامل مع الفساد فينعزل عن الحياة

جروح كثيرة
ويشير المؤلف جمال آدم إلى أن النص مكتوب في نهاية العام الماضي، أي بعد مضي تسعة أشهر على الثورة السورية، قائلا "أردت التلميح إلى الجروح الكثيرة التي قادت إلى الانتفاضة في الوطن العربي وتحديدا في سوريا، وأقول انتفاضة لأن الثورة تكون على المحتل للأرض".

وسبق عرض المسرحية في مهرجان الفجيرة للمونودراما ومهرجان الشارقة للمسرح، وبحسب المؤلف ستعرض أيضا في كل من دبي وألمانيا وإسبانيا وواشنطن.

ويعتبر آدم أن العمل يعكس وجهة نظره في الدفع نحو الإصلاح في بلده بطرق سلمية، ويقول "أنا مؤيد لسوريا جديدة بطريقة إنسانية وعبر الحوار وليس السلاح، وتحطيم الجدران في العمل هو البداية الجديدة التي نريدها، وهذا ليس تحطيما للبلد بل هو هدم للسياسات السابقة".

من جهته تجنب المخرج ماهر صليبي استخدام المصطلحات السياسية في حديثه، وقال "العمل عن مأساة مواطن سوري رفض التعامل مع الفساد فينعزل عن الحياة، فالفساد يأخذنا إلى أماكن أخرى مثل ما يحدث الآن، وهي رسالة إنسانية من فن اللامباشرة الذي أفضله".

المصدر : الفرنسية