رواية "الريش" لسليم بركات بالفرنسية
آخر تحديث: 2012/5/19 الساعة 11:35 (مكة المكرمة) الموافق 1433/6/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/5/19 الساعة 11:35 (مكة المكرمة) الموافق 1433/6/28 هـ

رواية "الريش" لسليم بركات بالفرنسية

غلاف الترجمة الفرنسية لرواية "الريش" للسوري سليم بركات (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
بخلاف الاستقبال الفاتر الذي لاقته رواية الكاتب السوري الكردي سليم بركات "الريش" في عالمنا العربي، ها هي اليوم تحصد اهتماماً لافتا في فرنسا بعدما نقلها المترجم القدير إيمانويل فارلي إلى الفرنسية وصدرت حديثاً عن دار نشر "أكت سود" (سلسلة "سندباد").

تمثل الرواية نصا ملحميا رائعا يسلط الضوء على قدر الشعب الكردي المأساوي، ولكن أيضا على أساطيره وتقاليده وبعض محطات تاريخه الحديث. ويسرد بركات في هذه الرواية قصة الشاب الكردي السوري "مم آزاد" الذي أرسله أبوه إلى قبرص لمقابلة شخصية غامضة وأسطورية تُعرف بـ"الرجل الكبير" وتبقى متوارية حتى نهاية النص.

وبعد ست سنوات من الانتظار اليومي بعيدا عن داره وأهله، يفشل مم آزاد في أداء مهمته، فيقرر، تحت وقع خيبته وعبثية حضوره في نيقوسيا، وضع حد لحياته. لكن حين يفتح حقيبته لنشر محتوياتها على السرير وتجنيب مَن سيعثر على جثته مهمة التفتيش للتعرّف على هويته، ترتفع من الحقيبة ريشة رمادية في الهواء تبدّد رغبته في الانتحار، فتتداعى أمام عينيه ذكريات حياته في مدينة القامشلي السورية ومعها طُرف مثيرة حول عائلته وأساطير كردية كان والده يقصّها عليه.

خلف شخصيات الرواية الغنية بالألوان، يتجلّى لنا واقع الأكراد المرير وذاكرتهم الجماعية التي لم تلتئم جروحها بعد

الذاكرة الجماعية
وفي القسم الثاني من الرواية، نغوص في ماضي مم آزاد فنتعرّف على حياة قومه في ظل نظامٍ أنكر للأكراد هويتهم وحقوقهم الأساسية، وعلى والده الذي كان يقيم بانتظام سهرات ليلية في باحة منزله ويحدّث ابنه باستمرار عن الثورات الكردية المجهَضة وأبطالها، وعلى أخيه التوأم دينو، الذي يبقى في سوريا ولا يُشبه مم آزاد إلا في الشكل، ومع ذلك يتداخل قدرهما بشكل يبلبل القارئ.

وعلى طول الرواية -التي صدرت بالعربية عام 1990- يتنقّل بركات بدون هوادة من نمطٍ سردي إلى آخر، ومن كردستان استيهامية إلى قبرص، ومن ماضي مم آزاد إلى حاضره الذي لا مستقبل له، متوقفا في سبيله عند بعض الأحداث الكبرى في تاريخ الأكراد الحديث، كجمهورية مهاباد الكردية في إيران عام ١٩٤٦، ومستحضرا بعض الوجوه الكردية الشهيرة، مثل الشاعر أحمد خاني والثوري إسماعيل سمكو آغا وحسين مقرياني صاحب أول مطبعة كردية والزعيم الملا سليم البدليسي، بدون أن ننسى الأمير الأسطوري بهرام جور.

وخلف شخصيات الرواية الغنية بالألوان، يتجلّى لنا واقع الأكراد المرير وذاكرتهم الجماعية التي لم تلتئم جروحها بعد، كما تتجلّى الإهانات وعمليات القمع التي تعرّضوا لها على يد نظام آل الأسد وانتفاضاتهم الدامية على هذا النظام.

وفي عالم بركات الروائي، يترك دم البشر وعذاباتهم أثراً لا يمحى على الطبيعة، أرضاً وحقولاً وغابات، ويصبح كل شيء ممكناً. وفي هذا السياق، نشاهد النباتات والحيوانات تتحاور فيما بينها، كما نشاهد مم آزاد يتحوّل إلى ابن آوى أو إلى عصفور لعبور الحدود الجغرافية المفروضة على قومه. باختصار، يتلاشى الحد الذي يفصل عادة بين الواقع والخيال.

للاستمتاع بقراءة الرواية لا بد من التخلي عن فكرة الترابط المنطقي لعناصرها السردية
والاستسلام كليا للنفَس الشعري الذي يعبرها ويلفّ جميع أحداثها بهالة سحرية فريدة

نفس شعري
ويقابل بركات في روايته تيه شعبه بمخيلته الجامحة مستعينا في مهمته بنثر شعري برّاق تُحوّل استعاراته ورموزه الكثيرة النص إلى حكاية خرافية أو ملحمة. فحياة مم آزاد التي تتقاطع بعض فصولها مع حياة الكاتب، تشكّل في الوقت نفسه، بجانبها الخارق، سيرة نموذجية لبطل يمكن أن يتماثل به كثيرون.

ويستحضر انفصال مم آزاد القصري عن توأمه أثناء إقامته في قبرص، قدر الشعب الكردي المشتّت بين دولٍ أربع. أما البلبلة والالتباس اللذان يخيّمان على مناخ الرواية فيعكسان حالة الإنسان الكردي النفسية اليوم بعد مسلسل الخيبات والمآسي التي اختبرها على مر تاريخه الحديث.

يبقى "الرجل الكبير" الكلي الحضور داخل النص، مع العلم أن أحدا لم يلتق به ولا يصل كلامه إلى الآخرين إلا من خلال وسطاء، والذي يرمز إلى الهدف الذي يبقى خارج المنال أو إلى البحث المجهَض، تماماً مثل شخصية "غودو" في مسرحية صمويل بيكيت الشهيرة، التي لا يقود انتظارها إلا إلى الذات ويخلّف السعي خلفها طعما مريرا في الحلق ناتجا عن فراغ الحياة نفسها.

رواية "الريش" متعددة الأدراج والأبعاد إذا، يتوه القارئ أحيانا بين طبقاتها السردية المختلفة ويشعر بتغرّبٍ كبير داخل فضاءاتها الاستيهامية تارة والواقعية تارة أخرى، وذلك رغم معالجتها مواضيع بسيطة وواضحة كالحرية والموت والعلاقات الأخوية وتأثير التاريخ الجماعي على حياة الفرد، إلى جانب القضية الكردية المركزية فيها. وللاستمتاع بقراءتها، لا بد من التخلي عن فكرة الترابط المنطقي لعناصرها السردية ومن الاستسلام كليا للنفَس الشعري الذي يعبرها ويلفّ جميع أحداثها بهالة سحرية فريدة.

المصدر : الجزيرة