من مخلفات حملة رسم على الجدران في الحمرا ببيروت (الجزيرة نت)
نقولا طعمة-بيروت
 
برزت ظاهرة  الرسم على الجدران (الغرافيتي) شكلا تعبيريا فنيا رافق الربيع العربي ضمن وسائل التعبير عن الرفض والاحتجاج. وشهد لبنان في الفترة الأخيرة نشاطا متزايدا لهذه الظاهرة عقب قيام ناشطين بكتابة شعارات ورسوم عبرت عن مواقفهم الرافضة للفساد وإهمال الدولة للفقراء، وعن انتصارهم للحركات الشبابية في العالم العربي.
 
وأوحت وسائل الإعلام اللبنانية في تناولها لهذه بأنها حركة شبابية منظمة، بدأت بمبادرة فردية، ثم اتسعت رقعتها بعد أن انضم إليها مئات الشباب.

ونظرا لاعتماد التحرك الشبابي أسلوب الكتابة والرسم على الجدران وصفته بعض الصحف بأنه "ثورة الغرافيتي"، وتحدثت عن توقيف ناشطين بتهمة ممارسة "الغرافيتي". ووصف أحد الكتاب ما قام به الناشطون الشباب بأنه "ليلة الغرافيتي"، في إشارة لبلوغ التحرك ذروته مساء الثاني من الشهر الجاري.

وفي تلك الليلة تجمع نحو مائتي شخص في مسرح "المدينة" في شارع الحمرا ببيروت وراحوا يرسمون شعارات على الجدران وأشكالا تعبر عن آرائهم ومواقفهم، وذلك في أعقاب اعتقال السلطات اللبنانية للناشطين خضر سلامة وعلي فخري، أثناء رش عبارة "الثورة مستمرة" على أحد جدران المدينة منذ نحو أسبوعين.

لوحة "غرافيتي" ببيروت تتساءل عن مصير المخطوفين (الجزيرة نت)

"ثورة الغرافيتي"
وبينما يتساءل بعض المراقبين عن وجود حركة منظمة سميت الغرافيتي، ينفي خضر سلامة أحد أبرز ناشطي الحراك أن يكون "الغرافيتي" اسما لحركة منظمة. وقال للجزيرة نت إنه "فن الرسم على الجدران، وهو طريقة تمكن من التعبير بسرعة عن المطلوب تلافيا لملاحقة الأجهزة الأمنية".

وأوضح أن "الغرافيتي" في لبنان أخذ صيغة التنظيم السياسي بسبب تعنت السلطات، فعندما يمارس النظام رقابة على هذه التعبيرة الشبابية يسبب ردة فعل، وهذا ما حدث معنا حيث نزل كثير من الشباب إلى الشارع دفاعا عنا عند توقيفنا".

ويقول الناشط سمعان خوام -وهو مطلوب للعدالة بتهمة كتابة رسوم ضد الحرب الأهلية على الجدران- "استخدمت صورة ثياب عسكرية اتخذتها السلطات حجة لتوجيه تهمة بمخالفة القوانين، لأن الرسم على الجدران غير ممنوع قانونيا".

ويؤكد خوام أن "الحركة الغرافيتية حركة فردية في الأصل، لكن التطورات حشدت الشباب من خلال الغرافيتي فصار بالإمكان استخدام العبارة لتحريك الشباب عندما تريد ذلك أي مجموعة منهم".

ويؤكد خوام أنه يستخدم الشارع لأنه "المكان الأخير المتاح لي لأعبر فيه عن موقفي. والناس يتفاعلون مع الغرافيتي بصورة مباشرة، وهو يصل إلى الجميع من دون تحيز، بينما الصحافة ووسائل الإعلام شديدة التسييس".

 مجموعة من الشباب يرسمون فلسطين في لوحة غرافيتي (الجزيرة نت)

فن له تاريخ
ولئن كان "الغرافيتي" هو فن الرسم على الجدران الذي اشتهر حديثًا أكثر، فإنه يمكن رصده في كهوف الإنسان الأول، وفي مراحل التاريخ المختلفة. وقد برز بقوة في الستينيات مع حركات "الهيبيز" و"الوودستوك" في أميركا، ورسومات مترو بريطانيا، والثورة الطلابية في فرنسا سنة ١٩٦٨.

وعن تطورات هذه الحركة، قال الباحث السياسي الدكتور كميل حبيب في حديث للجزيرة نت إن الغرافيتي "ظهر بفعالية في الستينيات في الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في فرنسا كما برز أيضا في لبنان خلال الحرب الأهلية ١٩٧٥ وكنا نقرأ دائما شعارات على الجدران".

ويلاحظ حبيب أن "هناك عودة بقوة إلى الغرافيتي الآن في لبنان لأن من يقوم بها لا يملك طريقة أخرى توصل رأيه للفئات المهمشة عبر جدران الشوارع"، والغرافيتي -يضيف حبيب- "مظهر من مظاهر حرية التعبير، وهناك فئات اجتماعية لا يمكنها إيصال صوتها إلى الناس، بموازاة ما يجري على شبكات التلفزة والصحف فيلجؤون للكتابة على الجدران للتعبير عن رأيهم في المسائل العامة".

وقد انتشرت هذه الظاهرة بقوة في لبنان ودول عربية أخرى، لكن حبيب يعتقد أن تأثير الغرافيتي يبقى محدودا في مواجهة الشركات الإعلانية الكبرى والتلفزيون وشبكات التواصل الاجتماعي.

ورغم هذه المواجهة غير المتكافئة، يقدم الشباب اللبناني على استخدام أقدم وسيلة للتعبيرعرفها البشر، ويبرر رسامو الغرافيتي لأنفسهم "احتلال" المساحات العامة بألوانهم ونقوشهم وتعبيراتهم، بوصفها الطريقة المتاحة والمثلى لإيصال أصواتهم بعيدا عن الإعلام المسيس بشدة.

المصدر : الجزيرة