أدونيس: التمكين للهجات المحلية لا يعني التخلي عن الفصحى أو التضييق عليها (الجزيرة)
نزار الفراوي-الرباط
 
عبر الشاعر السوري أدونيس عن تأييده لتمكين اللغات واللهجات الوطنية الأصلية من حضورها الحر في المشهد الإبداعي بالعالم العربي، مبديا رفضه لسياسات التعريب الأعمى التي حاول الحكام العرب فرضها على شعوبهم باسم الفكر القومي.
 
وقال أدونيس في لقاء مع الجمهور المغربي بالعاصمة الرباط إن من حق مختلف المجموعات السكانية ذات الخصوصيات الثقافية واللغوية أن تعبر عن نفسها بلغتها الأصلية بما فيها العامية، معتبرا أن العديد من شعراء العامية -خصوصا في مصر ولبنان- أعلى قيمة أدبية وفنية من نظرائهم من شعراء الفصحى.

غير أن صاحب "الثابت والمتحول" شدد في المقابل على أن التمكين الثقافي واللغوي لهذه المجموعات لا يعني التخلي عن الفصحى أو التضييق على مكانتها، وقال "إنها لغة بديعة وأنا مغرم بها إلى درجة أني أتساءل: هل نحن العرب نستحق هذه اللغة العظيمة؟".

ديوان أدونيس "لون الجسد آخر البحر" (الجزيرة)

اللغة والفكر
وحدد أدونيس ميزة العربية في الإبداع الشعري، في ارتباطها بالفكر ارتباطا عضويا، فجميع الشعراء الذين صنعوا الانعطافات الكبرى في تاريخ الشعرية العربية -حسب رأيه- من طرفة، إلى امرؤ القيس، مرورا بأبي نواس والمتنبي وأبي العلاء المعري، كانوا شعراء ومفكرين.

ويرى أن شعر الانحطاط أعطى بُعدا مختلفا مبتكرا لهذه اللغة الشعرية، حين نأى عن الأفكار وانبرى لمساءلة التفاصيل اليومية التي نظر إليها باستصغار في ذلك الحين، بالنظر إلى استبطانها رؤية جديدة للغة والعالم.

والعربية في نظر أدونيس، مرتبطة بالجسد ارتباطا وثيقا منح الشعر العربي طابعه الصوتي، فالقصيدة العربية لا تقرأ إلا جسديا، والعربي لا يقرأ قصيدته إلا موسيقيا، لأن اللغة تشكل جزءا من كيانه الحي، على خلاف الغربي الذي يبدو نصه مفارقا له.

أما الترجمة فهي ضرورة تتجاوز الجدل حول مشروعيتها وصدقيتها التي تتفاوت حسب قدرة المترجم على إيجاد بنيات استقبال للنص في لغة جديدة. ويعود أدونيس إلى الجاحظ الذي أصدر حكما مبرما بعدم قابلية الشعر للترجمة، يستدعي وصف الترجمة "بالخيانة"، ليعقب بأن "الخيانة تكون جميلة أحيانا، وقد تكون ضرورية للتعبير عن الوفاء".

والترجمة الناجحة -من هذا المنظور- فعل ارتقاء بلغة الاستقبال إلى مستوى الحساسية الشعرية للنص الأصلي، لا عملية نسخ جامدة.. إنها حسب رأيه "إعادة خلق للعالم الشعري وابتكار يضاهي هذا النص ويتحداه، إلى حد أن الكثير من المترجمات أفضل من القصائد الأصلية".

وهو يجر من العمر ثمانية عقود ونيفا، يبدي الشاعر المخضرم حذرا في إصدار خلاصات أدبية ووجودية نهائية لتجربته الغزيرة والمديدة، ويقول "أنا لا أعظ ولا أبشر ولا أعلم، بل أصنع المشاكل وأجعل الناس أكثر تيها وحيرة وتفكيرا في حياتهم".

أدونيس:
ربما كان الإنسان اليوم أقل سعادة منه في أي مرحلة من التاريخ البشري.. نحتاج إلى التواضع لكي نعرف من نحن وإلى أين نمضي

الإبداع والجوائز
وفي سياق متصل، يرفض  صاحب "أغاني مهيار الدمشقي" هوس الجوائز لدى الأدباء العرب، قائلا "همنا ينبغي أن يكون في الإبداع لا الجوائز"، في إشارة منه إلى الشبهة التي لازمته طويلا بكونه يجري وراء جائزة نوبل للآداب.

ويشعر أدونيس أنه لا يزال يتتلمذ على العالم، أنه لم يكتب شيئا ويحلم أن يتوصل إلى كتابة ما يحلم به قبل أن يداهمه الموت، "ذلك أن الأشياء وتحولاتها أغنى بكثير من قدرتنا على التعبير اللغوي.. الأيدولوجي والأصولي فقط ينحوان إلى إغلاق اللغة، أما الحياة فإنها لحسن الحظ أقوى وأرحب من أن تستنزفها الكلمات وتقبض عليها اللغة".

وحينما يتأمل بنظرة استرجاعية شريط التاريخ الإنساني الأدبي، بدءا من ملحمة غلغامش إلى اليوم، يفضي أدونيس إلى القول إن التاريخ لا يتقدم بالضرورة سهميا، فالإنسانية ربما تأخرت في حين تقدم الزمن.و يسكنه الشك فيطرح السؤال: هل أفرز التصنيع التقدم المنشود، حتى في أوروبا؟ ويسارع بجواب على نبرة حزينة "ربما كان الإنسان اليوم أقل سعادة منه في أي مرحلة من التاريخ البشري.. نحتاج إلى التواضع لكي نعرف من نحن وإلى أين نمضي".

المصدر : الجزيرة