يوسف ضمرة
 
من مسميات القصة القصيرة التي جاءتنا مؤخرا "فلاش فيكشن" (flash fiction) ثم "صادن فيكشن" (sudden fiction) ثم القصة القصيرة القصيرة، وأخيرا القصة القصيرة جدا! وقد بدأ هذا المشروعَ بعضُ الكتاب والأكاديميين الأميركيين منذ العام 1983 وصولا إلى الآن. وفي كل أنطولوجيا من هذه التسميات كان المعيار الوحيد دائما هو عدد الكلمات في القصة.

لكن اللافت أننا في العالم العربي أدرنا الظهر للتسميات كلها، وتمسكنا بتسمية القصة القصيرة جدا، من دون أن نعرف متى سيأتي اليوم الذي نضيف "جدا" ثانية وثالثة ورابعة إلى التسمية. والسبب كما نرى، هو أن الفلاش فيكشن والصادن فيكشن، كما هي التسميات في الغرب، تنطوي على مقومات أساسية في السرد الجديد، فقصة الومضة (فلاش) تمتاز بالمفاجأة والتركيز وخطف المتلقي، وقصة الصدمة تمتاز بعنصر خلخلة القناعة أو الرؤية الساكنة.. صدمة لما هو كائن وراهن ويمتاز بيقينية عالية.

وربما لا تشكل هذه التفاصيل أهمية بالغة عند الكاتب العربي، قدر اهتمامه بالحجم وعدد الكلمات، إضافة إلى بعض التنظيرات التي أخذت تشمل القصة القصيرة جدا، بوصفها جنسا أدبيا مستقلا كما يبدو لهم، متناسين أنه في الأحوال كلها ليس سوى قصة قصيرة!

واللافت في هذه التنظيرات هو أنها تستعير كل ما كان يقال في القصة القصيرة من قبل، أي منذ أخذ هذا الجنس الأدبي في الانتشار والشيوع، وأصبح له قراؤه ومحبوه وكتابه المحترفون، الذين تفرغوا له تماما، من دون أن يعتبروه خطوة أولى على طريق كتابة الرواية، كما حدث مع آخرين كثر، استهواهم مصطلح (عصر الرواية) أو (الرواية ديوان العرب الآن)!

بينما يحرص الكاتب الغربي على توفر العناصر الأساسية للقص ليوفر للقارئ متعته ويضعه في المناخ الملائم لأفكاره وأسئلته، نجد الكثير من كتاب القصة القصيرة جدا في العالم العربي يلهثون وراء جماليات تبدو مبهرة في شكلها الخارجي

فقد قيل إن القصة القصيرة جدا تمتاز بالتكثيف والشاعرية وما شابه ذلك، وكأنهم قاموا بتنحية أنطون تشيخوف وإدغار ألان بو جانبا، لأن هذا ما قيل في القصة منذ تشكلها جنسا أدبيا مستقلا. لكنهم -كما يبدو- غير قادرين على تفكيك معنى الومضة الخاطفة، والصدمة المفاجئة، الأمر الذي جعل من هذه التنظيرات تكرارا لما قيل من قبل.

في مقدمة الأنطولوجيا التي نشرها جيمس توماس تحت عنوان (فلاش فيكشن) يتساءل عن الفرق بين القصة القصيرة جدا والقصة القصيرة القصيرة. وفي النماذج التي اختارها بلغت أطول قصة 750 كلمة، والأقصر 250 كلمة. وتبين أن الحد الأعلى كان مساويا لأقصر قصة كتبها هيمينغواي، أما الأدنى فهو المعيار الذي وضعه الكاتب والأكاديمي والإعلامي الأميركي الراحل جيروم ستارن في مسابقته (أفضل قصة قصيرة قصيرة في العالم).

ويقول توماس إنه لا يوجد أي فرق بين القصتين إلا في عدد الكلمات، على أن لا تكون القلّة مقصودة لذاتها، حيث تحتم الضرورة الفنية في أحيان كثيرة أن تصل الكلمات إلى ألفين، كما حدث مع القاص الأميركي المتميز رايموند كارفر، وتحتم أحيانا أخرى الاختصار الفني، حيث تكون القلّة في هذه الحال كثيرة! أي ثرية فنيا ومعرفيا! هذا هو الفرق.. فإذا كان عدد الكلمات معيارا بشكل أو بآخر، فإنه معيار يخضع لمعايير فنية أكثر أهمية وضرورة من عدد الكلمات.

إن التدقيق في هذه التفاصيل يجعلنا نتساءل عن سر ما يحدث في الوطن العربي أحيانا في الكتابة الإبداعية بعامة، والقصة بخاصة. فقد لاحظنا أن هنالك كُتّابا يقررون كتابة القصة القصيرة جدا، لا من حيث الضرورة الفنية كما يبدو، بمقدار ما هو نزوع إلى التميز والاختلاف. فقد قلنا من قبل إن القصة لن تصبح جنسا ثانيا مغايرا حين تصل كلماتها إلى مائتي كلمة، بل تظل قصة قصيرة، تماما كقصة يوسف إدريس التي تبلغ أحيانا ثلاثة آلاف كلمة أو أكثر، وهو ما يعني أنه لا داعي أبدا لكل هذا الضجيج والاستنفار والتنظير لجنس أدبي وهمي ومزعوم!

فمن الغريب أن نقرأ تشيخوف حتى اليوم بهذه المتعة كلها، وبكل هذا الاهتمام بما يثيره من قضايا ومشكلات وأسئلة، بينما لا يجد الواحد منا ذاته في الكثير من القصص العربية التي ترتكب باسم الحداثة وما بعد الحداثة، والتي تبدو مكتوبة وموجهة إلى الكاتب نفسه، وربما إلى بعض زملائه الكتاب والمثقفين.

وهذا الكلام هو ما كتبه الشاعر الأميركي جون بار عن الشعر الحديث في أميركا، وهو ما ينطبق على الشعر في العالم كله، ورأينا أنه ينطبق على القصة القصيرة من دون تحوير أو تأويل فيما كتب.

الفرق هنا هو أن القصة القصيرة في كثير من بلدان العالم ما زالت تحقق إنجازات كبيرة على طريق الإبداع البشري، في حين تراجعت في العالم العربي إلى حد ينذر بالخطر، بحيث أصبح ينظر إليها كتمارين أولية، أو تدريبات أساسية وضرورية قبل اقتحام عالم الرواية الذي أخذ يغري الكتاب العرب، بمن فيهم العديد من الشعراء الذين استشعروا عزلة الشعر وتذوقوا مرارتها.

الغريب أن نقرأ تشيخوف حتى اليوم بهذه المتعة كلها، وبكل هذا الاهتمام بما يثيره من قضايا ومشكلات وأسئلة، بينما لا يجد الواحد منا ذاته في الكثير من القصص العربية التي ترتكب باسم الحداثة وما بعد الحداثة

وبالعودة إلى آخر أنطولوجيا للقصة القصيرة القصيرة التي أصدرها توماس، نقرأ فيها نماذج في غاية الجمال والغنى والأهمية. وهو ما يشير إلى أن لكل جنس أدبي قيمته وأهميته إذا ما كان هنالك من يخلص له ويتقنه ويعرفه جيدا، ويعرف كيف تتم معالجة القضايا الإنسانية في خلاله، الأمر الذي يعني بالضرورة التوجه إلى قارئ موجود من جهة، ويعني أن القارئ سوف يتمكن من اكتشاف ذاته في النص من جهة ثانية.

وبعد، فإذا كانت هنالك عشرات التسميات للقصة، باعتماد عدد الكلمات، فإن ذلك لا يعني أن هنالك كتابة أو نصا يدعى قصة قصيرة، وآخر جديدا ومغايرا يدعى قصة قصيرة جدا، أو قصة قصيرة قصيرة، أو (فلاش فيكشن) أو (صادن فيكشن) أو غير ذلك مما قد يخطر في بال المهووسين بالتسميات.

ثمة جنس أدبي واحد يدعى القصة القصيرة، بصرف النظر عن عدد الكلمات. فالمهم هو أن توفر القصة المتعة التي يبحث عنها القارئ، وأن يجد القارئ فيها شيئا مما يفكر فيه ويؤرقه ويثير فيه القلق والأسئلة والدهشة، وأن يتمكن القارئ في خلال هذه القصة -كأي جنس أدبي آخر- من العثور على زاوية رؤية جديدة للحياة ومفرداتها.. زاوية ليست نمطية وشائعة ومتوارثة، مما يعني أنها زاوية فوقية أو مفروضة بالإكراه.

وأخيرا نقول إن من يتابع ما تضمه سلسلة الأنطلوجيا القصصية القصيرة القصيرة، أو (فلاش) أو (صادن)، يلاحظ فجوة كبيرة بين مفهوم الغرب لهذا النوع من القصص، وبين مفهوم الكثير من كتاب القصة القصيرة جدا في العالم العربي.

فبينما يحرص الكاتب الغربي على توفر العناصر الأساسية للقص في قصته، كالشخصية والحكاية أو الواقعة، لكي يكسو قصته العظمية لحما حيا وحارا، يوفر للقارئ متعته ويضعه في المناخ الملائم لأفكاره وأسئلته، نجد الكثير من كتاب القصة القصيرة جدا في العالم العربي يلهثون وراء جماليات تبدو مبهرة في شكلها الخارجي، ونراهم يزاحمون الشعراء في اللجوء إلى الإزاحات اللغوية، غير مدركين أن هنالك فرقا كبيرا بين لغة الشعر ولغة النثر أو السرد، التي لا بد أن تكون بسيطة ومباشرة، تنطوي على جمالية في قوة التعبير والتأثير، ومدى قدرتها على حمل التيمة القصصية من دون تقريرية أو سطحية تحول القصة إلى تقرير إخباري.

فلنكتب قصة في ألف كلمة أو في مائة كلمة، فإن هذا لن يغير في التسمية شيئا، ولن يغير في جوهر الجنس نفسه شيئا. وقد تكون (الكثرة) ضرورية حينا، و(القلّة) ضرورية جدا حينا آخر. ولكننا في الحالين لن نجد أنفسنا إلا أمام جنس أدبي واحد يدعى قصة قصيرة، من دون إضافات لتمييز واحدة عن أخرى، لأن هذا التمييز ليس سوى لعبة ذهنية تشكل مضيعة للوقت فقط!

على أنه ينبغي لنا الاعتراف أن هنالك حالات من التطور في القصة العربية حقا، وهو ما يحتاج إلى وقفة متأنية، نتطرق فيها أيضا إلى العلاقة الجديدة بين القصة وقصيدة النثر وأجناس أخرى، والبحث في أسباب ذلك، مستشهدين بنماذج عربية بالطبع.

المصدر : الجزيرة