حلمي القاعود
 
لعل رواية مدام بوفاري للروائي الفرنسي غوستاف فلوبير، أول عمل أدبي يدخل ساحة القضاء قبل قرن ونصف قرن من الزمان تقريبا (1857م)، بتهمة أنها تنافي الأخلاق وفقا لاتهام النيابة الفرنسية، وقد تداولها القضاء وبرأها من التهمة وفقا لمرافعة محامي فلوبير، وترجمت الرواية إلى العربية عدة مرات، وكتب عنها كثيرون في مقدمتهم محمد مندور وأنيس منصور.

وقد حكم القضاء غالبا في مناسبات أخرى عديدة ببراءة الأعمال المقدمة إليه بتهم تخص العقيدة أو الأخلاق أو المجتمع. واللجوء إلى القضاء وسيلة متحضرة على كل حال، وتمثل خيارا طبيعيا بديلا للعنف أو المواجهة.

وقد شهدت مصر قبل سنوات مواجهات عنيفة بسبب بعض الكتابات التي فهمها فريق من الناس بطريقة مغايرة للآخرين، ووصلت إلى حد المظاهرات الحاشدة، كما حدث عند صدور رواية عن وزارة الثقافة المصرية فيها سباب للذات الإلهية، وابتذال رخيص، ولغة متدنية. وترتب على ذلك أن قامت السلطات المعنية بمواجهة المتظاهرين بالعنف، مما أسفر عن إصابات كثيرة، وفي الوقت ذاته تمت الإطاحة بجريدة معارضة واسعة الانتشار، وحل الحزب الذي كان يصدرها!

يساعد على العنف أو اللجوء إلى القضاء، إصرارُ بعض الفرقاء -وخاصة من الموالين للسلطات المستبدة- على التنكيل بالأغلبية الثقافية، واحتقارها، وفرض إرادة الأقلية المستبدة بالقوة والأمر الواقع، وهو ما يولد رد فعل قد يتجاوز القانون أحيانا، ويحدث مضاعفات مزعجة.

هناك مواضعات عقدية واجتماعية وقيمية في كل مجتمع ودولة، وتجاوزها بفجاجة أمر غير مقبول وخاصة في مجال العقيدة، فإذا كان هناك مثلا عمل أدبي أو فكري يحتقر عبادة البقرة في الهند ويزدري هذه العقيدة، فهذا أمر غير مقبول هناك، ويثير كثيرا من الاحتجاجات والرفض.

ليس من المنطقي أن تعتقد طائفة من الناس تمارس الكتابة أو التمثيل أو نحو ذلك، بأنها فوق القانون، أو أنها لا تخضع له

وقبل عدة سنوات بثت القنوات الفضائية العربية مسلسلا للممثل محمد صبحي بعنوان "فارس بلا جواد" يفضح سلوك الصهاينة الغزاة في فلسطين المحتلة، ومخططاتهم لتخريب البلاد العربية، وتضمن تصويرا لما يقوم به الحاخامات من مؤامرات وجرائم ضد العرب والمسلمين, فقامت قيامة الدولة الغاصبة والمنظمات اليهودية، وشنت حملة ضارية على مستوى العالم لمنع عرض المسلسل.

وقد نجحت الحملة إلى حد كبير في منع بعض القنوات من إذاعة المسلسل، وحذف كثير من المشاهد والحوارات التي تشير إلى الجرائم الصهيونية، كي يهدأ قليلا من قاموا بالحملة الظالمة المعادية للإبداع الحقيقي الذي يسجل الواقع الحقيقي.

وحتى اليوم فإنه محظور على أي شخص أن يشكك فيما يسمى المحرقة اليهودية التي قيل إن هتلر قد صنعها لليهود في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد عوقب أكثر من باحث ودارس ومؤلف لتجرُّئهم ومناقشتهم مسألة المحرقة مناقشة علمية موضوعية، ولم يكن آخرهم الفيلسوف الفرنسي المسلم رجاء جارودي الذي حكم عليه بالحبس والغرامة.

لا ريب أن حرية التعبير تخضع لنظام المجتمع ولو كان هذا النظام مخالفا لما يجري في مجتمعات أخرى. وما يقوم به الكاتب أو الفنان يجري في سياق هذا النظام ويتحرك من خلاله ويخضع لقوانينه وتقاليده. فكما أنه من الصعب أن يتقبل مجتمع ما سباب رئيس الدولة وإهانته بالقول أو الفعل في عمل أدبي أو فني، فمن غير المقبول أيضا إهانة عقيدة المجتمع ورموزها أو ازدراؤها بطريقة فجة مجافية لروح الفن والقانون.

وليس من المنطقي أن تعتقد طائفة من الناس تمارس الكتابة أو التمثيل أو نحو ذلك بأنها فوق القانون، أو أنها لا تخضع له، لأن القانون يساوي بين أفراد المجتمع جميعا، وعليهم أن يتقبلوا أحكامه حتى لو بدت على غير هواهم، لأن التمييز في تطبيق القانون مفسدة كبرى لا تتوقف نتائجها في إطار هذه الجماعة أو تلك، بل تتجاوزها إلى المجتمع كله.

من واجب الفن أن يبتعد عن الدعاية الفجة، وأن ينحاز إلى الشعوب وقيمها ومعتقداتها الراسخة التي لا تقبل الجدل

إن الكاتب الحقيقي أو الفنان الموهوب يستطيع أن يعبر عن كل الموضوعات في إطار فني جميل، دون أن يستفز مشاعر الأغلبية الساحقة، أو يطعنها في أخص مكنوناتها العقدية والنفسية بحجة حرية التعبير أو الإبداع، فالفن الحقيقي الجيد لا يستفز الآخرين ولا يطعنهم، ولكنه يقنعهم ويستقطبهم بمنطق الفن والإيحاء.

إن الفن الانتقامي أو الثأري أو الدعائي لا يصل إلى القلوب والعقول، ويكون رد الفعل بالنسبة له واضحا جليا حيث يرفضه المتلقون، وهناك مقولة شهيرة يرددها جمهور السينما بعد انتهاء العرض حينما يصدمه أحد الأفلام بسطحيته أو دعائيته أو تفاهته، حيث يقول "سيما أونطة هاتوا فلوسنا"!

تلجأ بعض الحكومات إلى الفن للتشهير ببعض خصومها السياسيين أو الوطنيين، فتحرك بعض من تستقطبهم من الكتاب والممثلين لتصوير هؤلاء الخصوم في صورة غير سوية، وقد تنجح هذه الصورة لبعض الوقت، ولكنها تخفق معظم الوقت، والدليل على ذلك صورة الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان قبل انقلاب 1952م.

فقد تم تصوير الرجل عبر عشرات الأعمال في صورة شيطانية فاسدة، وبعد نحو خمسين عاما عرض عمل واحد فيه قسط من الموضوعية، فبهتت الصورة الأولى وترسخت الصورة الثانية، أو على الأقل طرحت تساؤلات مهمة حول شخصية الملك، تتعلق بإيجابياته وسلبياته.

من واجب الفن أن يبتعد عن الدعاية الفجة، وأن ينحاز إلى الشعوب وقيمها ومعتقداتها الراسخة التي لا تقبل الجدل، لأن العدوان على هذه المعتقدات إرضاء لشهوة سياسية أو استجابة لحالة دعائية، قد يكون حافزا على رد فعل عنيف يسبب خسائر معنوية ومادية لا داعي لها.

المصدر : الجزيرة