إبراهيم الحجري-الدار البيضاء
 
ساهم الوعي النقدي لدى القاصة المغربية فاتحة الطايب في توجيه تجربة السرد في مجموعتها القصصية "حكاية تبحث عن عنوان" الصادرة مؤخرا عن دار "دال"، فجعلها تبدو حبلى بالتجليات التي تنتقد وضعا وتؤسس لسيرورة وضع آخر ينتحي فلسفة السؤال بدل الاطمئنان إلى السائد والنظرة الجاهزة للعالم والأشياء والقيم.
 
فاتحة الطايب بهذه التجربة المخاتلة، كأنها تدعو الكتاب إلى الخروج من قوقعات التقليد، وترك النص يشكل ذاته بدل خنقه بالقوالب المشيدة سلفا، فعلى مستوى البداية والنهاية في الحكي تنطلق القصة مباشرة من نقطة متقدمة في الحكي، وكأنها مبتورة من الأول والآخر.

وتضع الكاتبة القارئ مباشرة وسط المحكي، وتحشره في السياق دون مقدمات ولا تمهيدات توصيفية للشخوص أو المكان والزمن، كما هو معتاد في بنية النص القصصي. وتحتفظ الكاتبة، فحسب ببدن النص، داعية المتلقي إلى تحريك مخيلته الكسلى وتشييد عوالم النص، وفق ما يراه مناسبا لثقافته، بدل تلقي عوالم مشيدة سلفا من قبل الرواة.

فاتحة الطايب تضع القارئ في نصوصها القصصية وسط المحكي ليؤسس مقروئيته الخاصة (الجزيرة)

إعادة تشكيل النص
بهذا البناء، تحرم القصة المتلقي من نكهة الطمأنينة والمتعة الكسلى، وتسعى بوعي مسبق ومقصود، إلى تشويش معتاده التخيلي الذي سيستسلم للجاهز والبديهي. فمثلما يشعر القارئ بأن النص لا بداية له، يخرج من حلبته في الأخير وهو يحس بأنه لا نهاية له، وما عليه إلا أن يؤسس مقروئيته الخاصة لبداية النص ونهايته، بل أيضا لوسطه، بحكم أنه مطالب بإعادة تشكيل صياغة مفترضة له تنسجم مع البداية والنهاية اللتين يقترحهما.

ولم تسلم اللغة نفسها من هذا الدفق النقدي. إذ ترى المجموعة ألا تفاضل بين اللغات. أي أن اللغة لا تكتسي أهميتها إلا داخل منطوقها النصي، وأن للشخصيات القصصية الحق في انتقاء اللغة التي تحوي أفكارهم ورؤاهم، وتجسد العوالم وفق منظوراتهم، ما دامت اللغة أنظمة تواصلية تختلف باختلاف المجموعات البشرية، حسب ثقافتها وهمومها وأسئلتها التي لا تتشابه البتة.

فالنص مثله مثل العالم من حقه أن يتسع لكل الفئات والأقليات والأعراق والمجموعات. إن اللغة غير مقدسة هنا، ولا هي محتفظة بنقائها، إذ تتجاور اللهجة والفصحى، والأجنبية والمحلية في تعايش تام دونما إحساس بالنقص أو الدونية. والأكيد أن العربية لن يضيرها هذا التعدد اللغوي وهذا الزخم من الأنظمة العلاماتية، بل يشكل إثراء لها، وتطعيما لمكوناتها. ويعد هذا دفاعا عن تعايش المختلفات وتجاوزها بدل اجتثاث النقيض وتهميشه.

ويتجه النص القصصي إلى نقد النظرة الساخرة لمنظومة القيم السائدة، التي تستند إلى الموروث التقليدي في غياب مطلق للعقل واعتماد المنطق. وهو اتجاه يوضح عدم رضا الكاتبة عن حالة الاطمئنان المخيفة التي يتبناها الإنسان العربي تجاه ما يفكر فيه، وما يستهلكه من قيم، وكأنه أجوف خال من العقل.

لقد أدت النظرة القدسية بالإنسان العربي إلى اعتبار كل شيء ثابتا يجب أن ينظر إليه مثلما نَظر إليه السابقون دون بذل أي جهد لتشغيل العقل. إن الإنسان العربي بفعل كهذا يحيل أقوى مميزاته البشرية على التقاعد الأبدي وهو العقل. وهو وضع مأسوف عليه تبعا للمنجز، وهذه هي الرسالة التي تسعى المجموعة لترسيخها، والأطروحة التي تدافع عنها طيلة مسار المسرود.

يتجه النص القصصي إلى نقد النظرة الساخرة لمنظومة القيم السائدة، التي تستند إلى الموروث التقليدي في غياب مطلق للعقل واعتماد المنطق

نظرة توجس
تنتقد القصص الواقع وتعري بسخرية جارحة زيفه واندثار قيمه، عبر تجلية الصورة التي تبدو عليها حياة الشخوص ونفسياتهم، في اندحار تمثلاتهم حول العالم، ورفضهم لأحوالهم الاجتماعية. ومن هنا، كانت النظرة النقدية السلطوية للرواة تتسع راسمة، بذلك، حدود العلاقة بين الراوي والشخصية والعالم والكاتبة، التي كلما اتسعت ازدادت صور المفارقة والتوجس وتراجع النزعة الإنسانية لدى الشخوص من خلال اغتيال عزائمها وإرادتها وقوتها على التحدي والصمود من أجل الخلاص.

لقد افتقدت الشخصيات، عبر النصوص، نكهة الانتصار. وكان قدرها النصي الذي سلطه عليها الرواة لإبلاغ رسالتهم، هو أن تكون أبدا في ذلة الهزيمة، متجرعة سخرية العالم من حولها، متوهمة انتصاراتها في صور مزيفة الحضور. لقد باتت الشخصية تبحث عن طعم الفوز خارج نطاق الذات والجسد، في أي شيء تراه كفيلا بتحسيسها بهذه النشوة المفقودة. 

المجموعة القصصية تحاور أيضا الجسد، وتحفر ترسباته النفسية العميقة لدى الرواة والشخوص معا، ولئن كان الجسد الأنثوي بأسئلته الفضفاضة والمتداخلة معنيا أيضا بهذه الحفرية، فإن أطروحة المرأة أو ما يصطلح عليه البعض بالنسوية (Féminisme) لا تشكل، عبر التصور الذي تقترحه المجموعة إلا عنصرا ضمن نسق متجانس من القضايا العالقة التي يمثل الرجل أيضا جزءا من معادلتها.

ذلك أن المرأة والرجل معا عانيا، بصورة تجعل كلا منهما يبدو أنه سبب مأساة الآخر، من مؤامرة التاريخ التي يصنعها الإنسان نفسه باجترار أفكار ورؤى وتقاليد الآخرين. إنها تجاوز محنة الجسد الثقافي كله. ذلك الذي تتفاعل فيه مكونات اللغة، والعوالم النفسية، والعادات والسلوكات، والأفكار، والعلم، والغرائز، وغير ذلك.

المصدر : الجزيرة